كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، أنه من بين النتائج العديدة للمواجهة في مضيق هرمز، يبدو أن الأسبوع الحالي قد يكشف ضعف أحد أقوى أدوات الولايات المتحدة الجيوسياسية، إذ بات تهديد الحد من الوصول إلى النظام المالي بالدولار أقل فاعلية مما كان يُتصور.
العقوبات الأمريكية تنعكس على الدولار
وبدأت مؤشرات ذلك تظهر منذ عام 2022، عندما تم فرض عقوبات على البنوك الروسية وقطعها عن نظام سويفت للمدفوعات البنكية العالمية.
وحتى ذلك الحين، كان يُفهم أن العقوبات تمثل إزعاجًا أكثر من كونها عقوبة اقتصادية قاتلة، لكن استمرار روسيا في تمويل حربها وبيع النفط أثبت أن العقوبات لم تحقق أهدافها المرجوة بشكل كامل.
وأظهرت الفاعلية المحدودة للدولار المسلح في الخليج أيضًا صورة واضحة، فإيران تُعد من أكثر الدول تعرضًا للعقوبات على مستوى العالم، حيث تشمل العقوبات الأمريكية كل الدولة وليس كيانات أو أشخاصًا محددين فقط.
ومع ذلك، لم يمنعها ذلك من بيع النفط أثناء الحرب مع الولايات المتحدة، ولم يوقفها عن فرض رسوم مرور على السفن الدولية الراغبة في عبور مضيق هرمز.
ووفقًا لتقارير لويدز ليست إنتليجنس، دفعت بعض السفن مبالغ تصل إلى مليوني دولار لضمان المرور الآمن، وفي أعقاب إعلان هدنة بين الولايات المتحدة وإيران، صرح مسئول إيراني بأن بلاده ستطالب شركات الشحن بدفع رسوم عبور للعملات المشفرة بما يعادل دولارًا واحدًا لكل برميل نفط ينقل.
ويرجع جزء من المشكلة إلى أن الانفصال عن نظام المدفوعات العالمي المهيمن يمثل تهديدًا فقط، لأن اقتصاد الدولار مريح ومربح للتعامل فيه.
وهذا يعني أن هذه الأداة أكثر فاعلية ضد الاقتصادات المفتوحة المتكاملة في سلاسل التوريد العالمية، وهى غالبًا ليست الدول التي تستحق التهديد.
أما الدول المعاقبة، فهى عادة معتادة على التكيف وإيجاد حلول، حيث تستطيع إيران بيع جزء من نفطها مقابل عملة الرنمينبي الصينية، لأن غالبية وارداتها تأتي من الصين.
وهناك شبكة من البنوك والشركات المالية الموازية التي تتحمل مخاطر تطبيق القوانين الأمريكية خارج حدودها وتغسل المدفوعات بالدولار، وفقًا لأبحاث المجلس الأطلسي، وهذه الجهات أقل قلقًا بشأن الوصول إلى مقاصة الدولار في نيويورك.
لكن هذه الحلول البديلة قد تصبح أقل ضرورة في عالم يمكن فيه إرسال الأموال المجهولة عبر الإنترنت.
فالولايات المتحدة لا تتحكم في تدفقات المدفوعات باستخدام البيتكوين أو العملات المستقرة المرتبطة بأصول حقيقية مثل الدولار، والتي تُرسل عبر شبكات لا مركزية.
وفي حين تسبب الامتثال الصارم لقوانين مكافحة غسل الأموال الأمريكية إزعاجًا للحلفاء، تمتلك الدول المتوترة مع أمريكا نظامًا موازيًا شبه منظم للعملات المشفرة بالدولار يمكنها استخدامه، تمامًا مثل المجرمين والجهات الفاعلة الأخرى.
توقع أحد علماء السياسة الذين صاغوا مصطلح الاعتماد المتبادل المسلح هذا الوضع في ورقة بحثية سابقًا، مشيرًا إلى أن نظام الدولار، رغم كونه مصدر استقرار عالميًا لفترة طويلة، أصبح مصدرًا لعدم الاستقرار نتيجة استخدامه كسلاح اقتصادي، وأن زيادة الضغط من قبل الولايات المتحدة ستدفع دولًا أخرى للبحث عن طرق لتجنب قوة الدولار، ما قد يدفع أمريكا للتصعيد ردًا على ذلك.
وأكدت الصحيفة البريطانية، أنه لا يمكن اعتبار النظام المالي العالمي سلاحًا جيوسياسيًا للولايات المتحدة، بل يمكن اعتباره قوة مضاعفة لأعدائها، كما عرف المصرفيون المركزيون منذ زمن بعيد، فتهديد الآخرين بعواقب وخيمة أفضل من وضع نفسك في موقف قد تضطر فيه لاستخدام العصا الكبيرة التي قد تنكسر في يدك.


















0 تعليق