في عدد نادر لمجلة الهلال.. دساتير الهمج وعلاقتها بالنيل الأزرق

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في واحدة من أندر الصفحات المنسية في تاريخ الصحافة العربية، يفتح لنا عدد قديم من مجلة الهلال الصادر عام 1899 نافذة مذهلة على عالم تتجاور فيه الحقيقة مع الوهم، ويتصارع فيه صوت العقل مع صخب الخرافة، نص يفيض بدهشة الراوي، ويكاد يتأرجح بين التوثيق والسرد، كما يطلق العنان لمخيلة القارئ ليرى أمامه فصل ضائع أو منع من النشر في “ألف ليلة وليلة”.

في هذه السطور، لا تروى حكاية “الدساتير” بوصفها مجرد حالة مرضية غامضة، بل كظاهرة اجتماعية تكشف عمق الموروث الشعبي حين يتلبس الإنسان ويعيد تشكيل وعيه وسلوكه هنا، يصبح النيل مسرحًا لطقوس غامرة بالرهبة، وتتحول المرأة إلى جسد يحمل سرا غامضا، بينما يحتشد الجمع بين مصدق ومذعور، في مشهد يختلط فيه الإيمان بالخوف، والشفاء بالخطر.

وجائت كالتالي: 

دساتير الهج أو هستيريا الهمج

 

وردتنا هذه الرسالة من صاحب الرسالة في الهلال الماضي"الشهر الماضي"، كتبها من روصيرص على ضفاف النيل الأزرق، يقول:

«لا عجب إذا كثرت الخرافات والخزعبلات وتسلطت الأوهام بين الهج، ورغمًا عن تقدم العلم وانتشار آراء التمدن، لا تزال هذه الخرافات شائعة بين القوم المتمدنين، فالتمس لهم عذرًا قبل سرد الحادثة الآتية، فقد بالغوا فيما لم يبلغه الآخرون، وفاقوا الأولين والآخرين في الانحطاط والهجبة، واسمهم يدل عليهم».

 

كثيرًا ما حاولت الوقوف على شيء من خرافاتهم، وهم يبخلون عليّ ببسطها لسبب لا أعلمه، حتى توفقت أخيرًا على فرصة، شاهدت فيها ما هو أشبه بخرافات ألف ليلة وليلة، أو تزيد عليها غرابة، وإليكم البيان.

 

ذات مرة، كنت أمشي على ضفاف النيل، فسمعت ضجيجًا وزغلطًا وأنغامًا، فالتفت فإذا بجمع غفير من الهج يهرعون نحو النيل، وفي مقدمتهم رجل يعزف على الطنبور، وخلفه فتاة بيدها سوط، ترقص على نغمة الطنبور، وهي شاخصة ببصرها إلى الفضاء، لا تلتفت يمينًا ولا شمالًا، ولا تنظر إلى أحد، حتى خيل لي أنها غير شاعرة بما حولها. ورأيت النساء يزغلطن، ويتبعهن الرجال، وكلهم سائرون معًا نحو النبل.

 

ففسرت أن في ذلك سرًّا، فسرت في أثرهم لاستطلاع الحقيقة، فرأيت بينهم رجلًا أعرفه، فظننته لا يكتم عني شيئًا، فسألته عن شأن الفتاة وسبب مجيئهم بها إلى النيل. 

قال: "معها دساتير".

قلت: وما الدساتير؟ 

قال "انك حكيم ولا تعرف الدساتير ألا تعتري النساء في بلادكم دساتير وتنزلون بهنّ الى البحر "

قلت: لا اعرف شيئًا عنها ولولا ذلك ما جئت أطلب الأفادة 

قال: الدساتير تصيب البنات أو النساء السحات "الجميلات"

قلت: وما هي الدساتير

قال: الدساتير مثل الشياطين أو هي صنف منها وقد أتينا بهذة الابنة الى البحر لننقذها منها

قلت: أرجو أن تخبرني أولًا ما هي الأعراض (ثم رأيت أني أخطأت بإستعمال كلمة الأعراض وهو لا يفهمها) وكيف تعرفون أنها أصيبت بالدساتير 

فحملق الرجل وقال: يا أفندي إن أعراضنا محفوظة وشرفنا لا يداس 

قلت: ذلك أكيد.. وإنما أريد أن أعرف ما تشكو الفتاة عندما تأتيها الدساتير 

قال: تمتنع عن الأكل والشرب والنطق والنوم سبعة أيام 

قلت: وهل تراقبونها ليلًا ونهارًا

فضحك وقال الأمر مشهور في كل هذ الجهات إن التي تصاب بالدساتير تنقطع عن الأكل والشرب والكلام والنوم

قلت: وهل المدة محدودة لا تزيد على السبعة أيام ولا تنقص 

قال: هي لا تنقص ونحن لا ندعها تزيد لاننا نأتي بها الى النيل في اليوم الثامن 

قلت: أودّ أن تأتيني بحادثة دساتير اذا أستطعت

قال: او تظن نفسك أبرع من "الكوهوي" العارف بكل الأمراض الذي يشفي المرض بالرقية ومع ذلك فهو لا يستطيع أن يشفي الدساتير 

قلت: حسنًا وماذا تفعلون بها عند النيل

قال: نطرحها في البحر فأما أن تخرج معافاةً أو يقوى عليها أهل "أسجر" فيقتلونها ويأخذونها أو يبقون لنا جثتها

قلت: هل تعني بأهل البحر التماسيح؟

قال: أظنك تمتحن معرفتي فنحن وإن كنا جهلا فإننا نعرف أن في البحر إناسا يعيشون تحت الماء كما نعيش نحن في البر وقد أختطفوا النساء غير مرة في مثل هذه الحوادث

قلت: وما علاقة الدساتير بأهل البحر

قال: أعذرني الآن إنهم في حاجة إلي، وأسرع إلى رفاقه وكنا قد وصلنا الى ضفة النيل فخلعت تلك « المتدسترة » ثيابها إلا ما يستر عورتها، ثم نزعوا عنها

جميع حليها من الخرز والصدف، وهي لا تزال واقفة كأنها في غيوبة، ثم جاءت امرأة وطلت جسم الفتاة بالدهن، ورشتة بالسمسم وصبت ما بقي من الدهن على رأسها على شكل هرم، ثم أتت بيضة فارغة وضعتها على الدهن فوق رأسها وأخذت رملًا وجعلت ترش رأسها به، وفيما هي تفعل ذلك بدأت النساء الواحدة بعد الاخرى ان يملئن أفواههن من ماء النهر ويبثقن الماء على وجهها وهي لا تحرك ولا تهمس.

ثم جاء رجل ربطها في وسطها بحبل، ومسك طرف الحبل بيده ومشى الى حافة النهر، وهي تتبعة راقصة ثم رمي نفسة في الماء ورمت تلك المسكينة نفسها بعدة، وكان المكان عميقًا فصارت تطفو تارة وتغرق اخرى، والرجل يسبح ويجرها نحو البر بالحبل، فحزنتُ عليها وخشيت ان تغرق وتذهب صحبة أوهامها ووهامهم،  وما زاد حزني وغيظي ان الحاضرين هناك ظلوا ساكتين شاخصين إليها ينتظرون النتيجة بفروغ الصبر وكانوا ينسون حركاتها في الماء وهي تحاول النجاة من الغرق فرارًا من أهل البحر. 

وأخيرًا فاز رفيقها بجرها الى الضفة وبعد مدة يسيرة عادوا بها وطلبت الطعام فجاؤوها به، أما أنا فعدت وقد عجبت لهذه الدساتير ورأيت ان اسميها هستيريا الهمج.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق