كان عبد السلام النابلسي واحدًا من تلك الوجوه التي يكفي أن تظهر على الشاشة ليعمّ المكان سكينة فنية لا تشبه غيره. لم يكن نجمًا يتوسّل الضوء، بل فنانًا يعرف متى يتقدّم إلى الأثر ومتى يتراجع ليمنح المشهد مساحته. بابتسامة خجولة أو لمحة سريعة، كان يصنع حضورًا لا يضجّ، لكنه يملأ المشهد جمالًا ورهافة.
امتلك النابلسي قدرة نادرة على المزج بين الكوميديا الرقيقة والعمق الإنساني. لم يكن ضحكه “أداءً”، بل قراءة ذكية للنفس البشرية، يلتقط من تفاصيل يومية بسيطة ما يحوّله إلى لحظة فنية لامعة. في تعبيراته كان يمكن رؤية الشارع والبيت والمقهى، وأنفاس زمنٍ كامل تُروى بخفة ظل لا تنفصل عن الحكمة التي كان يحملها بين السطور.
ولأن الكوميديا عنده لم تكن افتعالًا، استطاع أن يجعلها فنًا يقترب من الفلسفة. كان يعرف كيف يترك صمتًا صغيرًا في منتصف الجملة، وكيف يسمح للشخصية أن تتنفس قبل أن ينطق الكلمة التي تغيّر إيقاع المشهد. تلك القدرة على الإصغاء للحظة هي ما جعلت أداءه طبيعيًا، هادئًا، وخالدًا.
نادرًا ما نجد ممثلًا استطاع أن يجمع بين شاعرية الملامح ورصانة الحضور كما فعل النابلسي؛ ممثلٌ يدخلك إلى عالمه دون أن تشعر، ويحملك من الضحكة إلى التأمل بخطوة واحدة. خلف ابتسامته الدافئة كان هناك دائمًا شيء من الحزن الجميل، أو ما يشبه وعيًا عميقًا بالحياة يطلّ من بين المساحات الصامتة في أدائه.
واليوم، بعد أن أصبحت السينما أكثر صخبًا وسرعة، يظلّ عبد السلام النابلسي علامةً على زمن كانت فيه الضحكة تُصنع بالفكرة، لا بالمبالغة. مدرسة كاملة في كيفية صناعة البهجة دون أن تفقد عمقها.
ترك النابلسي بصمة لا تتكرّر، وجسّد معنى الكوميديا الذكية التي تحفظ للإنسان إنسانيته. يذكّرنا حضوره بأن الفن الراقي لا يحتاج سوى صدق، وتلك القدرة السرية على تحويل اللحظة العادية إلى لحظة تظلّ في الذاكرة، حتى بعد أن تُطفأ الأنوار.

















0 تعليق