يحاصر القلق من الارتفاع الحاد في أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يستمر في الضغط على إيران لإعادة فتح مضيق هرمز، إلا أن استمرار الصراع لفترة أطول قد يؤدي إلى تأثيرات أوسع من مجرد ارتفاع أسعار الوقود.
وبحسب صحيفة "الجارديان" البريطانية، فإنه من المتوقع أن تؤدي زيادة أسعار الكهرباء بشكل هيكلي واضطراب سلاسل الإمداد إلى الضغط على الصناعات والمستهلكين حول العالم، ما قد يهدد الأسس الاقتصادية الهشة لطفرة الذكاء الاصطناعي بالنسبة للولايات المتحدة والعالم.
وأشار كبير الاقتصاديين في منظمة التجارة العالمية، روبرت ستايجر، إلى وجود ارتباط بين الذكاء الاصطناعي وتأثيرات الصراع، موضحًا أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة قد «يحد من» الاستثمارات في هذا القطاع، قائلًا: «هذه الطفرة (الذكاء الاصطناعي) كثيفة الاستهلاك للطاقة».
ولتوضيح التداعيات الواقعية لأي تراجع محتمل، أفادت أحدث توقعات التجارة العالمية الصادرة عن المنظمة أن نحو 70% من نمو الاستثمارات في الولايات المتحدة خلال أول ثلاثة أرباع من العام الماضي كان في سلع مرتبطة بالذكاء الاصطناعي بشكل أو بآخر.
وكشفت مذكرة تحليلية مفصلة أعدها مكتب المحاماة الأمريكي كوين إيمانويل في شهر مارس الماضي عن تعقيد الهندسة المالية التي تدعم طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، حيث بلغت إيرادات القطاع العام الماضي نحو 60 مليار دولار أمريكي، مقابل إنفاق رأسمالي يصل إلى 400 مليار دولار أمريكي.
ووفقًا للصحيفة، يعيد المشهد إلى الأذهان الأزمة المالية العالمية في 2008، حيث تلعب كيانات ذات أغراض خاصة خارج الميزانيات العمومية للشركات دورًا كبيرًا، إلى جانب الأوراق المالية المدعومة بالأصول.
وفي جوهر الأمر، تقوم الشركات الكبرى التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مزودي البنية التحتية مثل "كور ويف"، باقتراض مبالغ ضخمة للغاية في سباق لبناء مراكز بيانات تدعم خدمات الذكاء الاصطناعي، رغم أن تحليلات حديثة للخبير المتشكك في الذكاء الاصطناعي إد زيترون تشير إلى أن التنفيذ الفعلي يتأخر عن الوعود.
وغالبًا ما تكون الجهات المقرضة شركات خاصة مثل مديري الأصول، ما يجعل من الصعب على الجهات التنظيمية، بل وحتى المستثمرين، تتبع إجمالي الالتزامات المالية لكل شركة.
وتوجد مخاوف متزايدة بشأن نشاط قطاع الائتمان الخاص سريع النمو، وهو ما حذرت منه الجهات التنظيمية، بما في ذلك بنك إنجلترا، نظرًا لافتقاره إلى الشفافية.
وفي بعض الحالات، أصدرت شركات التكنولوجيا سندات بشكل مباشر، لكن هناك ترتيبات مالية أكثر تعقيدًا تشبه تلك التي سبقت الأزمة المالية العالمية.
وقامت شركات تشغيل مراكز البيانات بإنشاء كيانات ذات أغراض خاصة خارج الميزانيات العمومية، تمتلك هذه المراكز وإيراداتها المستقبلية من الإيجارات، وتقوم بالاقتراض بضمانها، وفي بعض الحالات يتم تجميع هذه الديون وتقسيمها وإعادة بيعها إلى صناديق التقاعد ومديري الاستثمار.
وكما قد يتذكر البعض، فإن مثل هذه الهياكل قد تعطي انطباعًا زائفًا بأن المخاطر موزعة، بينما تكون في الواقع متراكمة، كما تجعل من الصعب للغاية تحديد من يدين بماذا ولمن.
ويقدر محللو كوين إيمانويل أن نحو 120 مليار دولار أمريكي من ديون مراكز البيانات تم نقلها خارج الميزانيات العمومية خلال العامين الماضيين، مشيرين إلى أن «الترابط العميق في منظومة الذكاء الاصطناعي يعني أن أي تعثر في نقطة واحدة قد ينتقل إلى أطراف متعددة ومستويات تمويل مختلفة».
وقد يكون ارتفاع تكاليف الطاقة لفترة طويلة أحد العوامل التي قد تؤدي إلى مثل هذا «التعثر»، إلى جانب توقعات تقلب أسعار الفائدة وضعف الطلب الاستهلاكي، وهي نتائج محتملة أيضًا للحرب في الشرق الأوسط.
ويبقى السؤال الأساسي المطروح: هل يمكن لقطاع الذكاء الاصطناعي تحقيق إيرادات تبرر التقييمات المرتفعة للغاية؟، لكن حتى ارتفاع محدود في تكاليف الطاقة قد يدفع إلى إعادة تقييم هذه الطفرة، وهو ما قد يؤدي، في ظل التعقيدات المالية القائمة، إلى تداعيات تمتد إلى الأسواق الأمريكية والعالمية.

















0 تعليق