إذا استطعت أن تتجاهل عدم دستورية الحرب غير المبررة التي شنها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ورفيق دربه، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على إيران، وأن تركز على العملية نفسها، فمن الصعب ألا تشعر بالحيرة إزاء النقص التام في التخطيط الحقيقي، أو حتى التفكير الاستراتيجي الأساسي، الذي تم اتباعه فيها.. فبحسب تقارير حديثة، لم يُخطط ترامب ولا مساعدوه لاستهداف إيران للسفن وإغلاق مضيق هرمز.. كما يبدو أنهم لم يخططوا لرد فعل انتقامي جاد ومستمر ضد حلفاء أمريكا من دول الخليج العربي.. لم يخططوا لأزمة طاقة وما قد يترتب عليها من اضطراب في الاقتصاد العالمي، ولم يتوقعوا أن يرفض حلفاء أمريكا الأوروبيون، في مجملهم، دعوتهم للدعم.. الاطلاع على عملية صنع القرار في الإدارة الأمريكية يكشف، أنها لم تُخطط أو تتوقع الكثير مما يُعرِّف الحرب اليوم.. وهذا يثير سؤالين بديهيين: ما الذي خططوا له؟.. وما الذي توقعوا حدوثه تحديدًا؟.
يرى جاميل بوي، في صحيفة (نيويورك تايمز)، إنه يبدو أن ترامب والبيت الأبيض كانا يتوقعان مقاومة رمزية، يليها انهيار النظام الإيراني، وتنصيب حكومة موالية لأمريكا ـ أو على الأقل حكومة يمكن لواشنطن التسامح معها ـ والعودة إلى الوضع السابق: تكرار، في جوهره، لتدخل الرئيس الأول هذا العام في فنزويلا.. والآن، بعد أن اصطدمت هذه المحاكاة الخيالية بواقع أكثر تعقيدًا وغموضًا وصعوبة، أصبح ترامب عاجزًا عن شرح أهدافه أو حتى إعطاء البلاد أي فكرة عن موعد انتهاء الحرب.. دعونا نقول فقط، إن هذا بعيد كل البعد عن القيادة السياسية التقليدية في زمن الحرب.. بل إن ترامب عالق في دوامة تصعيدية كلاسيكية.. فعندما تفشل إحدى الطرق (في هذه الحالة، الضربات الجوية الأولية)، ينتقل إلى الطريقة التالية.. وعندما تفشل تلك أيضًا، يُصعِّد الموقف.. وعندما لا يُحقق التصعيد النتيجة المرجوة ـ عندما يواجه خيارًا بين قبول الهزيمة أو الجمود أو المضي قُدمًا ـ يُصعِّد الموقف.. وهكذا وصلنا إلى الاقتراب أكثر فأكثر من استخدام القوات البرية: آلاف من مشاة البحرية ـ والآن مظليون من الفرقة 82 المحمولة جوًا ـ يتجهون إلى الشرق الأوسط، بينما يدرس ترامب شن هجوم جديد مرتبط، إما بمضيق هرمز أو بالمواد النووية الإيرانية.
وهنا، تجدر الإشارة إلى أن الكونجرس لم يُصرّح قط بهذه الحرب، ولم يُخصِّص أي تمويل للعمليات البرية.. أما الرئيس، فهو إما يتباهى باتفاق وشيك ـ إذ قال في مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء عن القيادة الإيرانية: (سيُبرمون اتفاقًا) ـ أو يُهدِّد بشن هجمات على البنية التحتية المدنية الإيرانية.. وقال خلال المؤتمر الصحفي نفسه، (إذا أردتُ تدمير محطة الطاقة تلك، محطة الطاقة الضخمة والقوية هذه، فلن يستطيعوا فعل أي شيء حيال ذلك).. وهذا يُثير سؤالًا جوهريًا: لماذا يعجز البيت الأبيض عن رؤية ما كان بإمكان الآخرين توقعه بسهولة؟.. لم يكن ينبغي أن يكون أي من هذا مفاجئًا.. فكل من يملك القدرة على فهم دوافع الآخرين، وتخيُّل وجهات نظرهم، وإدراك قدرتهم على التأثير، كان من المفترض أن يتوقع هذه النتائج ويخطط وفقًا لذلك.. وفي حالة الحرب على إيران، تجاهل الرئيس نصائح حذرت من احتمال حدوث وضع مماثل للوضع الراهن، ولم ينصت لصوت مصر والسعودية والإمارات، وهم يدعونه إلى عدم خوض هذه الحرب.
هذا يقودنا إلى المشكلة الحقيقية.. من المعروف عن ترامب عدم اكتراثه بمخاوف من حوله.. إنه نرجسيٌّ بامتياز، وهو بلا شك أكثر شخص أنانيٍّ شغل المكتب البيضاوي على الإطلاق.. على مدى عقود من وجوده في الحياة العامة، لم نرَ أي دليل يُذكر على إيمانه بوجود عقول أخرى.. كل إدارة رئاسية تتبنى شخصية رئيسها، وهذه الإدارة ليست استثناءً.. فمثل ترامب، يبدو أن البيت الأبيض لا يدرك أن للآخرين دورًا فاعلًا أيضًا.. إنه ينظر إلى نفسه كما ينظر الرئيس إلى نفسه: كبطل الكون، بينما كل من حوله، إما شخصيات ثانوية أو شخصيات هامشية لا إرادة لها.. وهكذا، كلما تصرَّف الآخرون من تلقاء أنفسهم، يجد الرئيس وإدارته أنفسهم في موقف لا يُحسدون عليه.. ويمثل هذا فرصة لمعارضيهم.. بحكم منصبه، يُعدُّ ترامب شخصية خطيرة.. لكنه أيضًا رئيس ضعيف ومكروه بشدة.. ونتيجةً لغروره المُستعصي، يجد خصومه فرصًا عديدة لإضعافه وزيادة كراهيتهم له.. فمع ولعه بالعنف، ورغبته الواضحة في ترويع الأمة وإخضاعها، إلا أنه مُصاب بنوع من العمى.. فهو لا يُدرك حقيقة معارضيه، ولا يُدرك قدرتهم على الفعل.
●●●
تقول مصادر خليجية ومحللون في منطقة الخليج، إن الولايات المتحدة وإسرائيل، هما من أشعلا الحرب مع إيران، لكن دول الخليج المنتجة للنفط هي التي ستدفع الثمن، مما يشير إلى توتر في العلاقات بين المنطقة التي تتعرض لهجوم إيراني، والقوة العظمى التي تعتمد عليها لحمايتها.. ووفقًا لثلاثة مصادر إقليمية، فإن الاستياء يتزايد خلف الكواليس في عواصم دول الخليج العربية، بسبب جرها إلى حرب لم تبدأها أو تؤيدها، لكنها تتحمل الآن كُلفتها الاقتصادية والعسكرية، مع تعرض مطارات وفنادق وموانئ ومنشآت عسكرية ونفطية لضربات إيرانية.. قالت ابتسام الكتبي، رئيس مركز الإمارات للسياسات، (هذه ليست حربنا.. لم نُرد هذا الصراع، ومع ذلك ندفع الثمن من أمننا واقتصادنا.. هذا لا يعني أن إيران بريئة).. وكانت حكومات الخليج قد أكدت لطهران، أنها لن تسمح لواشنطن باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي في الحرب.. ومع ذلك، شنَّت إيران موجات من الضربات بالطائرات المسيرة والصواريخ في أنحاء المنطقة على الرغم من تلك التأكيدات، مما أدى أيضًا إلى تراجع ثقة قطاع الأعمال.
وبينما يتزايد الانزعاج من الرئيس دونالد ترامب، بسبب صراع يعتقد كثيرون أنه أوقد شرارته دون تشاور، تقول بعض المصادر الإقليمية، إن واشنطن يجب عليها الآن أن تمضي في الحرب حتى النهاية، للقضاء على ما يعتبرونه تهديدًا إيرانيًا مستمرًا في جوارهم المباشر، (إذا انسحبت أمريكا من الحرب الآن دون تحقيق النصر، فسيكون ذلك مثل ترك أسد جريح.. ستظل إيران تشكل تهديدًا للمنطقة، وقادرة على توجيه هجمات جديدة.. وإذا انهار النظام، تاركًا فراغًا في السلطة، فستعاني الدول المجاورة من التداعيات).
قُتِل الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، في اليوم الأول من الحرب.. وردت طهران بقصف إسرائيل ودول الخليج التي تستضيف منشآت عسكرية أمريكية، وأوقفت فعليًا مرور شُحنات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، الممر الحيوي لنحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.. وفي أنحاء المنطقة، أدى إغلاق المجال الجوي إلى إلغاء شركات الطيران مئات آلاف الرحلات، في أكبر اضطراب يعصف بحركة الطيران العالمية منذ جائحة كورونا.. في الوقت نفسه، تأثرت السياحة في الخليج بشدة، مما يهدد الصورة التي عملت دول الخليج على ترسيخها، كوجهة آمنة للسياح الباحثين عن الرفاهية.. ووسط هذه الاضطرابات، سعت دول الخليج إلى إظهار الهدوء ورباطة الجأش.. قال رئيس الإمارات، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، إن بلاده (في فترة حرب ولكنها بخير)، وأنها ليست (فريسة سهلة)، في أول تصريح علني له منذ أن أطلقت إيران صواريخ على الإمارات.
في الوقت نفسه، يقول محللون، إن الحرب دفعت دول الخليج إلى إعادة تقييم اعتمادها الأمني على واشنطن، وإلى التفكير في احتمال الدخول ـ في نهاية المطاف ـ في ترتيبات أمنية إقليمية جديدة مع طهران، حتى مع انهيار الثقة في إيران.. يقول فواز جرجس، من كلية لندن للاقتصاد، إنه على مدى عقود، قامت العلاقات بين واشنطن ودول الخليج على تفاهمات ضمنية: طاقة الخليج وأمواله، بما في ذلك مئات المليارات من الدولارات التي تنفق على الأسلحة الأمريكية والتكنولوجيا المتقدمة والسلع والخدمات، مقابل الحماية الأمريكية.. لكن الحرب زعزعت هذه الافتراضات، وأن دول الخليج ستُسرِّع الآن من جهودها لتنويع شراكاتها الخارجية والأمنية، إدراكًا منها (أنها لا تستطيع الاعتماد حقًا على الولايات المتحدة لحماية مواردها من الطاقة والنفط والغاز، وشعوبها، وسيادتها).. وربط جرجس هواجس دول الخليج الحالية بشأن واشنطن، بالقلق الذي شعرت به السعودية إزاء تقاعس الولايات المتحدة في الرد على إيران، بعد الهجوم بطائرات مسيرة وصواريخ عام 2019، على منشآت النفط في بقيق وخريص بالمملكة.. وألقت واشنطن والرياض مسئولية الهجمات على طهران التي نفت أي دور لها.
لقد فشلت واشنطن في وضع ضمانات لحلفائها الإقليميين، أو تأمين تدفق النفط والغاز في وقت الحرب، حتى أصبحت التكلفة على اقتصادات دول الخليج (فادحة).. هكذا يرى عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث ومقره السعودية.. لقد أظهرت الحرب حدود الاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية فقط، لا سيما من الولايات المتحدة، حتى أصبحت دول الخليج بحاجة إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والاستعداد للأزمات المستقبلية، (القوى الخارجية تتخذ قراراتها بناء على مصالحها الاستراتيجية الخاصة وليس مصالح الخليج.. ونتيجة لذلك، من المرجح أن تتبع دول الخليج نهجًا أكثر حذرًا وتوازنًا في علاقاتها مع كل من إيران والشركاء الدوليين الرئيسيين).
وفي انتقاد علني نادر، شكَّك رجل الأعمال الإماراتي البارز، خلف الحبتور، في أهداف الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران.. قال، (إذا كان الهدف من الضربات هو احتواء إيران، فهل أخذت في الاعتبار التداعيات على المنطقة؟، أم تجاهلت ببساطة تكلفة جر الخليج إلى صراع ليس طرفًا فيه؟).. وحذر الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، أمين الناصر، من أن استمرار تعطيل الشحن عبر مضيق هرمز سيكون له (عواقب كارثية) على أسواق النفط.. لكن الحرس الثوري الإيراني قال، إنه لن يسمح بشحن (لتر واحد من النفط) من الشرق الأوسط، إذا استمرت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.. وحذر ترامب من أن واشنطن ستضرب إيران بقوة أكبر إذا منعت تصدير النفط.
وتقول مصادر قريبة من دوائر صنع القرار في دول الخليج العربية، إن المنطقة بالكامل تشعر بإحباط شديد من ترامب.. ويعتقد كثيرون أنه جر الخليج إلى حرب، صِيغَت بدرجة كبيرة وفق الحسابات الإسرائيلية، دون أن يشارك في خطة الحرب، وأن ترامب تصرف على عجل، قبل تقييم كامل للآثار السياسية والاقتصادية على الحلفاء، لأنه، وطبقًا لمصدر خليجي مطلع على عملية صنع القرار في واشنطن، فإن القرارات الرئيسية تتخذها دائرة صغيرة من المقربين من ترامب، تعمل إلى حد كبير خارج القنوات السياسية الأمريكية التقليدية، (إنهم رجال أعمال وأشخاص يفكرون بعقلية الصفقات، وليسوا ساسة متمرسين).. هذا النهج ترك الشركاء في الخليج مُعرضين لعواقب قرارات هذه الدائرة.
●●●
يمتلك دونالد ترامب موهبةً فريدةً في دفع خصوم أمريكا لاكتشاف أشكال جديدة من النفوذ عليها.. فقد أقنعت حربه التجارية مع الصين، بكين باستغلال هيمنتها على المعادن النادرة والمعادن الحيوية، مما أجبر الولايات المتحدة على التراجع وخفض تعريفاتها الجمركية.. وعلى نحو مماثل، نفذت إيران أخيرًا تهديدًا قديمًا وأغلقت فعليًا مضيق هرمز.. ولا شك أن طهران، مثل بكين، قد شعرت بسعادة غامرة، لاكتشاف مدى سرعة قدرتها على إلحاق الضرر الاقتصادي بالغرب.. وباستغلال إيران لسيطرتها على المضيق، فإن ذلك يعني، أن الجمهورية الإسلامية باتت تطمح إلى ما هو أبعد من مجرد النجاة من الهجوم الأمريكي ـ الإسرائيلي، إذ بات لديها فرصة حقيقية للخروج من الحرب بمكانة دولية أقوى.. بالرغم من أنها تلقت ضربات قاسية.. فقد قُتل زعيم البلاد والعديد من كبار مستشاريه في اليوم الأول من الحرب، كما تعرضت سفنها ومنصات إطلاق الصواريخ ومراكز القيادة التابعة لها لهجمات متكررة.. ويعاني الاقتصاد الإيراني من أزمة حادة، ويتفاقم التضخم بشكل كبير.
ولم تكتفِ إيران بمواصلة القتال أمام إسرائيل وأمريكا، بل دأبت على إلحاق أضرار جسيمة بجيرانها في الخليج، كالسعودية والإمارات، والكويت والبحرين وقطر، وحتى عُمان، الوسيط النزيه في هذه المعركة، مما يثير تساؤلات كبيرة حول مستقبلهم على المدى البعيد.. والأهم من ذلك، أن مضيق هرمز يمثل لإيران مصدرًا محتملًا هامًا للدخل في المستقبل، قد يكون ذا قيمة بالغة.. إذ فرضت إيران رسومًا تُقدّر بمليوني دولار أمريكي على كل سفينة، للسماح لها بالمرور الآمن عبر المضيق.. في الأوقات العادية، تعبر حوالي مائة وأربعين سفينة المضيق يوميًا.. لذا، تشير حسابات تقريبية، إلى أنه إذا نجحت إيران في إنشاء نقطة تحصيل رسوم على المضيق، فقد تُضيف مليارات الدولارات شهريًا إلى خزائن الدولة.. وكانت لجنة في البرلمان الإيراني وافقت على خطط لفرض رسوم على السفن التي تعبر المضيق، وفق ما ذكر التلفزيون الرسمي الإيراني، الذي نقل عن عضو في اللجنة الأمنية في البرلمان قوله، إن الخطة تتضمن من بين أمور أخرى، (الترتيبات المالية وأنظمة تحصيل الرسوم بالريال الإيراني)، و(تنفيذ الدور السيادي لإيران)، بالإضافة إلى التعاون مع عُمان على الجانب الآخر من المضيق.. كما تضمنت (منع الأمريكيين والكيان الصهيوني من المرور عبره)، وكذلك حظر دول أخرى تفرض عقوبات على إيران من الملاحة فيه.
لقد حذّر وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، الأسبوع الماضي، من خطر لجوء إيران إلى مهاجمة السفن العابرة للمضيق.. وقال إن هذا العمل غير قانوني وغير مقبول.. وهو محق في كلا الأمرين.. لكن السؤال المطروح، هو: ما الذي يمكن للولايات المتحدة فعله حيال ذلك؟.
الجواب المُحبط، هو أنه قد لا يكون هناك حل عسكري لهذه المشكلة، باستثناء تغيير النظام في طهران.. وتقوم الولايات المتحدة حاليًا بإرسال قوات برية إلى المنطقة.. لكن الاستيلاء على جزيرة خرج، الذي طرحه ترامب في مقابلة مع صحيفة (فايننشال تايمز)، لن يحل بالضرورة مشكلة المضيق، إذ يشعر المخططون العسكريون الغربيون بتشاؤم شديد حيال فرص إعادة فتح المضيق بالوسائل العسكرية وحدها.. فجغرافية المنطقة والتكنولوجيا المتاحة لإيران ـ بما في ذلك الطائرات المسيّرة التي يمكن تشغيلها على بعد أميال عديدة من الشاطئ ـ تعني أن حتى الحراسة البحرية لا تستطيع ضمان سلامة حركة الملاحة التجارية.. وهذا يجعل التوصل إلى اتفاق تفاوضي مع إيران الخيار الأكثر واقعية.. لكن، من المرجح أن تطلب إيران ثمنًا باهظًا للغاية.. فالنظام الإيراني يطمح إلى تحقيق إيرادات مستقبلية قد تُغير قواعد اللعبة، فضلًا عن كونه وسيلة لمنح الامتيازات أو فرض العقوبات على دول العالم أجمع.
حتى ترامب، الذي يُنصِّب نفسه خبيرًا في المفاوضات، يُعاني من التخبّط.. وقد اعترف مؤخرًا بأنه يجد أسلوب التفاوض الإيراني (غريبًا) للغاية.. في الأسبوع الماضي، اقترح أن (يتولى هو وآية الله إدارة المضيق معًا)، وهو ما فسَّره البعض على أنه محاولة لتقاسم الرسوم المحتملة مع طهران.. لكن يبدو أن الإيرانيين غير مهتمين.. ويشعر جيران إيران بالقلق من فكرة خروج طهران من الحرب، وهي تسيطر فعليًا على صادرات الطاقة الخليجية، فضلًا عن مصدر دخل جديد.. وتدور تكهنات واسعة النطاق، حول إمكانية انضمام الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية إلى الصراع، بدلًا من قبول هذه النتيجة.. لكن هذه الدول تدرك تمامًا، أن الضربات الإيرانية على منشآتها النفطية أو محطات تحلية المياه، قد تُلحق أضرارًا جسيمة طويلة الأمد باقتصاداتها ومجتمعاتها.. وقد تُقرر في نهاية المطاف أن دفع أموال لإيران، خيار أفضل من التصعيد.
قد تفكر الدول الآسيوية، التي تُعدّ الأسواق الرئيسية لصادرات الطاقة الخليجية وليست في مرمى نيران إيران، في دفع الرسوم المالية.. ويدرك حلفاء الولايات المتحدة، مثل اليابان والاتحاد الأوروبي، أن دفع الأموال لإيران سيثير غضب الولايات المتحدة.. لكن العلاقات الأوروبية مع إدارة ترامب متوترة للغاية، والرئيس مُتقلب المزاج، مما قد يدفع الأوروبيين إلى المخاطرة بدلًا من قبول ارتفاع أسعار الطاقة بشكل دائم، أو العودة إلى شراء النفط والغاز الروسي.. وبالطبع، لا تزال هناك العديد من (المجهولات المعروفة)، على حد تعبير دونالد رامسفيلد، أحد مهندسي غزو العراق عام 2003.. إن تدخل القوات البرية الأمريكية سيمثل تصعيدًا خطيرًا.. من المحتمل أن تؤدي الضغوط الاجتماعية والاقتصادية داخل إيران، في نهاية المطاف، إلى انهيار النظام.. لكن حتى الآن، يبدو النظام صامدًا بشكل ملحوظ.. وإذا خرجت إيران من هذه الحرب واقفة على قدميها، فسيكون ذلك نذير شؤم للأمن العالمي والاقتصاد العالمي، وللشعب الإيراني نفسه.. وللأسف، يبدو هذا السيناريو محتملًا في الوقت الراهن، كما يرى جيديون راشمان، الكاتب في Financial Review.
●●●
اللافت هنا، أنه لا يمكن التنبؤ بتوقيت انتهاء العملية التي أطلقت عليها واشنطن اسم (الغضب الملحمي)، ووصفها وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيجسيث، بأنها (العملية الجوية الأكثر فتكًا وتعقيدًا ودقّة في التاريخ)، وأطلقت عليها تل أبيب (زئير الأسد)، ووصفها الجيش الإسرائيلي بـ (أكبر عملية جوية في تاريخ سلاح الجو).. وكما قلنا، فإن دول الخليج هي الطرف الأكثر عرضة لما يُعرف بـ (الأضرار الجانبية) في هذا الصراع، الذي بدأ ثلاثيًا واستحال مناطقيًا.. ومن جملة الأضرار التي يعدِّدها محللون ومراقبون للضربات الإيرانية على دول الخليج: تعطيل الملاحة البحرية، وزعزعة ثقة المستثمرين، وتدمير البنية التحتية للطاقة، وتهديد أمن الخليج، الذي يُترجم أي خلل فيه فورًا في صورة خسائر اقتصادية، قد لا تعوِّضها طفرات أسعار النفط المؤقتة.. إلا أن السؤالان المُلحّان هنا: ما هي الخسائر التي قد يتكبّدها الخليج جراء طول أمد هذا الصراع؟.. وهل تدفعه هذه الخسائر إلى المخاطرة بدخول مواجهة مباشرة ضد إيران؟.
كما قلنا، فقد زعزعت الضربات الإيرانية صورة الاستقرار والأمان في منطقة الخليج، والتي ساعدتها على جذب الاستثمارات، واستقطاب المغتربين، وجذب السياحة من جميع أنحاء العالم.. لكن طول أمد الحرب الحالية أو تحوّلها إلى ما يشبه (حرب استنزاف) يُهدِّد دول الخليج بتبعات كارثية على المستوى الأمني والاقتصادي والجيوسياسي.
وغالبًا ما نظرت دول الخليج إلى استضافة القواعد والقوات الأمريكية، أو شراء الأسلحة الأمريكية، على أنها أفضل وسيلة للحماية من أي هجوم.. وبالتزامن، سعت دول مثل السعودية والإمارات إلى تحسين علاقاتها مع إيران، التي لطالما اعتبرتها عدوًا تاريخيًا بفعل الخلافات العرقية والدينية، والصراع على النفوذ الإقليمي، وتضارب المصالح وتباين التحالفات.. كما دعمت دول الخليج الحل الدبلوماسي للملف النووي الإيراني.. ومع توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، أكدت هذه الدول أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن غارات جوية على إيران، ربما ظنًا منها أن ذلك قد يساعدها في تفادي أي انخراط في الصراع، الذي لم ترغب يومًا أن تكون طرفًا فيه، وأن يحافظ لها على مصالحها الاقتصادية والتجارية مع الأطراف كافة.. لكن ما حدث خلال العامين، الماضي والحالي، بتوجيه ضربات مباشرة لأراضٍ خليجية، يكشف أن خطط (التأمين) التي انتهجتها دول الخليج لم تكن صائبة، أو على أقل تقدير كافية لتمتعها بخيار (الحياد) الذي غالبًا ما فضَّلته.
التبعات الأمنية والعسكرية، من أبرز ما يُهدِّد دول الخليج في هذه الأزمة.. فعلى الرغم من امتلاك هذه الدول جيوشًا مجهّزة جيدًا وتحظى بإنفاق مرتفع، إلا أن قدراتها في الرد على هكذا هجوم ما تزال غير واضحة.. ويُهدِّد هذا الصراع، في حال استمر فترة طويلة، بأن يُصبح الخليج في مرمى النيران في أي صراع مستقبلي، لا سيما وأن المنطقة مشحونة ولا تتوقف الصراعات فيها، وموقع الخليج القريب من إيران يزيد مخاوف كهذه.. كما أن استنزاف الدفاعات الجوية لدول الخليج، من النتائج المحتملة لطول أمد الصراع، بما فيها أنظمة باتريوت وثاد، وهذا يعني بالضرورة، ارتفاع تكاليف الصيانة والمشتريات العسكرية بشكل غير مسبوق، قد يرهق ميزانيات هذه الدول.. كما أن تعزيز إيران هجماتها ضد دول الخليج، عبر شن هجمات سيبرانية تستهدف البنية التحتية للمياه والكهرباء هناك لزعزعة الاستقرار الداخلي، ليس مُستبعدًا أيضًا، في حال تحوّل الصراع إلى ما يشبه حرب استنزاف، إذا لم تُسعف القدرات العسكرية الإيرانية البلاد لمواصلة ما أطلقت عليه (الوعد الصادق 4).
وثمَّة فاتورة جيوسياسية ودبلوماسية لهذا الصراع الدائر، وقد تتفاقم في حال استمراره وقتًا طويلًا، وفي مقدمتها احتمال انهيار بعض التفاهمات الإقليمية، بما في ذلك اتفاقات خفض التصعيد، وأبرزها الاتفاق السعودي ـ الإيراني برعاية الصين.. هذا لا يهدِّد دول الخليج فقط، وإنما المنطقة ككل، بالعودة إلى مربع (الحروب بالوكالة) في اليمن والعراق.. وقد تجد دول الخليج نفسها مضطرة إلى اتخاذ مواقف تتناقض كليًا مع مبدأ الحياد العسكري الذي لطالما تبنته، بل وبنت من خلاله صورتها كوسيط سلام، كما في حالة قطر والإمارات والسعودية وعُمان، إذ قد تجد نفسها تحت ضغط أمريكي هائل لفتح أجوائها، أو تقديم تسهيلات عسكرية لضرب إيران من أراضيها، فينتهي بها المطاف إلى مواجهة مباشرة مع (الانتقام الإيراني)، وتستمر دائرة انعدام الأمن.
الأضرار الاقتصادية ليست أقل وطأة.. فالأيام القليلة الماضية كشفت كيف تأثرت الملاحة والتجارة العالميتين وأسواق النفط والبورصات بالصراع في الشرق.. غير أن الوضع يبقى في الخليج كارثيًا، إذ تُسهم التطورات الأخيرة في اهتزاز نموذج (الاستقرار الجاذب)، الذي طالما اعتمدت عليه دول الخليج لبناء سمعتها كملاذ آمن لجذب الاستثمارات والسياحة.. وطول أمد هذا الصراع قد يؤدي إلى انهيار هذه الفكرة كُليًا.. وبفعل إغلاق مضيق هرمز، ارتفعت تكاليف الشحن وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة للخليج، وفي حال طال الصراع، قد تتوقّف بعض شركات الملاحة تمامًا عن دخول المنطقة.. وبحسب مستشار الطاقة في شركة (هوك إنرجي)، خالد العوضي، فإن دولًا خليجية عدّة لديها بدائل لشحن النفط.. فالإمارات، على سبيل المثال، تمتلك موانئ بديلة على بحر عُمان والسعودية على البحر الأحمر، ولكن الأمر يتعلّق بمحدودية الشحنات التي يمكن أن تمر عبر هذه البدائل، والتي قد تبلغ ثمانية ملايين برميل، مقارنةً بواحد وعشرين مليون برميل كان تُصدّر يوميًا.
فضلًا عمّا سبق، فإن هروب رؤوس الأموال من دول الخليج مطروح بقوة، حيث قد يدفع الوضع الأمني والعسكري الُمضطرب، المستثمرين الأجانب والشركات العالمية إلى نقل مقارها الإقليمية من دبي والرياض ـ بعد عقود من العمل على جذبها ـ إلى مناطق أكثر أمانًا، مما يُعطل خطط تنويع الاقتصاد في هذه الدول، عبر (رؤية 2030) في السعودية وما شابه.. وبحسب مجلة (التايم) الأمريكية، زعزعت الضربات الإيرانية صورة الاستقرار والأمان في منطقة الخليج، والتي ساعدتها على جذب الاستثمارات، واستقطاب المغتربين، وجذب السياحة من جميع أنحاء العالم، منبهةً إلى أن هذا الأمن حجر الزاوية في علاقة العديد من دول الخليج مع الولايات المتحدة.
وفي حين أن الضربات الإيرانية على القواعد والأهداف الأمريكية في دول الخليج، لم تكن مُستبعدة مع تصاعد الأمور، إلا أن المُفاجئ، هو استهداف مدن ومطارات ومنتجعات سياحية وبنية تحتية نفطية ومقار بعثات دبلوماسية في دول عدة، بحسب الخبير في شئون الشرق الأوسط بالمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في البحرين، حسن الحسن، الذي لفت، في حديثه إلى (دويتش فيلله)، إلى أن خطورة هذه الضربات تأتي من أن (دول الخليج أقرب بكثير إلى إيران، وليست مُحصنة تحصينًا قويًا مثل إسرائيل)، مما يهدِّد بخسائر كبيرة.. وفي رأي الحسن، (الضرر الطويل الأمد الذي لحق بعلاقات إيران مع جيرانها الخليجيين قد وقع بالفعل، لا سيما إذا استمر النظام الإيراني الحالي بشكل أو بآخر).. وحتى بعد انتهاء الصراع، يُرجَّح أن قادة الخليج لن يسعوا إلى تحسين العلاقات مع إيران، وإنما إلى تعزيز الردع لبلدانهم في المقابل.. لكن ما الذي قد يدفع دول الخليج إلى المغامرة بالدخول في مواجهة عسكرية مباشرة ضد إيران؟.. أو كيف سيكون شكل العلاقات الإيرانية ـ الخليجية؟.
الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة.. فاستمرار الضربات الإيرانية، وتحديدًا على أهداف مدنية واقتصادية ودبلوماسية، يضع دول الخليج أمام أحد خيارين لا ثالث لهما.. إما الرد والمخاطرة بحرب أوسع وربما أطول أمدًا، أو مواصلة سياسة الصبر والاكتفاء بالدفاع عن النفس.. وهذا الأخير قد يبدو خيارًا مناسبًا أو آمنًا أكثر، لكنه يُهدِّد بتقويض أمن دول الخليج واستقرارها الاقتصادي، بل وهيبتها على الصعيد الإقليمي والعالمي.. لكن ربما كان من المُستبعد، أن تنخرط دول الخليج بشكل مباشر في الصراع العسكري ضد إيران.. ففي حال استمر التصعيد وتوجيه إيران الضربات لأراضيها، فإن ذلك سيسمح للولايات المتحدة بوصول أوسع إلى أراضيها أو مجالها الجوي، واستخدامهما في استهداف إيران، أو شن ضربات محدودة ضد إيران، إلا أنه، ما لم تقع خسائر بشرية فادحة أو أضرار واسعة النطاق في منظومة إنتاج وتصدير النفط، سيظل الرد الخليجي المباشر على إيران (مُستبعدًا في هذه المرحلة).
ورغم أن إيران لوّحت سابقًا باستهداف منشآت أمريكية في الخليج في حال اندلاع حرب، فإن وتيرة التصعيد ونطاقه (فاقت التوقعات)، بتعدِّي الهجمات المنشآت العسكرية لتشمل مواقع مدنية.. في تحوِّل لافت في الأسلوب العملياتي، بما يزيد من احتمالات توسع المواجهة، أو لجوء الدول المتضررة للرد بشكل محسوب أو تصعيدي، وفق ما يراه مركز الخليج للأبحاث، الذي يوضح، أنه منذ انخرطت أذرع إيران في الصراع، لا سيما الميليشيات في العراق، تراوحت سيناريوهات هذه الميليشيات تجاه دول الخليج، (بين الاستفزاز التكتيكي والاستخدام الرمزي للطائرات المسيرة، بهدف إرباك الساحات ورفع كلفة الصراع الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ الإيراني، إلى محاولات توسيع رقعة الاشتباك).. ونستخلص من ذلك، أن إجراءات دول الخليج حيال هذه التهديدات تعكس تغيرًا في ميزان الإستراتيجية الدفاعية لها، من تفضيل الصبر الإستراتيجي إلى توسيع تنسيق مشترك في الدفاع الجوي، كما ظهر في البيان المشترك الذي أصدرته قطر والسعودية والبحرين والكويت والإمارات والأردن مع الولايات المتحدة الأمريكية، والذي ندَّد بالهجمات العشوائية، مؤكدًا على الحق في الدفاع عن النفس والتزام الأمن الإقليمي، (هذا التنسيق يُدلل على تحوُّل من فهم التهديد كعمل معزول، إلى إدراك أن استهداف العمق الخليجي، حتى عبر أدوات غير نظامية، يمثل خطًا أحمر قد يُبرِّر تحركًا دفاعيًا موحدًا).
من المُرجح أن تركز دول الخليج في المرحلة المقبلة على تحسين وضعها الدفاعي، عبر (تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي، وحماية القواعد والبنية التحتية الحيوية، وتشديد الأمن الداخلي، وتفعيل خطط استمرارية العمل)، كما يرى المحاضر البارز في كلية الدراسات الأمنية بجامعة (كينجز كوليدج) بلندن، أندرياس كريج.. بينما ترى صحيفة (الجارديان) ـ ضمن إستراتيجيات (التعافي) ـ أن المواجهة الحالية تفرض على دول الخليج التوجه نحو الاستقلالية الإستراتيجية وتنويع التحالفات، لا سيَّما الأمنية والدفاعية، في ظل تراجع الثقة في الولايات المتحدة وتصاعد الأخطار من إسرائيل وإيران معًا.. وهو ما كان الخليج قد بدأه بالفعل قبل اندلاع هذا الصراع.. إعادة النظر في الإستراتيجيات الجيوسياسية والأمنية، بل والسياسات الاقتصادية، وتنويع التحالفات لا سيّما الأمنية والدفاعية، في ظل تراجع الثقة في الولايات المتحدة، هي أولويات (التعافي) لدول الخليج على المدى القريب، لكن توحيد الصف الخليجي داخليًا في مواجهة المخاطر الأمنية يظل أهم العناوين.
ويعتقد السياسي الكويتي، أنور الرشيد، أن هذه الحرب (كشفت بما لا يدع مجالًا للشك، أن تبني مشروع إقامة أنبوب نفطي، ينقل الغاز والنفط الخليجي للعالم عبر بحر العرب والأحمر، من كل دول الخليج للعالم، له أهمية كبرى، ليس لدول الخليج فقط، وإنما للعالم أجمع)، حتى لا تكون دول الخليج (رهينة ممر ضيق يتحكم به الآخرون، يخنقونها هي والعالم وقتما تختلف المصالح).. وبوجه عام، تتصاعد الأصوات التي تدعو إلى حماية سلاسل الإمداد وبناء الاحتياطيات إستراتيجية وطنية، وإعادة تقييم سياسات إدارة التوريد (في الوقت المناسب)، للحد من صدمات الانقطاع المفاجئ لسلاسل الإمداد، الأمر الذي تكرّر في السنوات الأخيرة.
في الوقت نفسه، يُلفت مجلس الشرق الأوسط للشئون الدولية، إلى أن دول الخليج تحتاج إلى إعادة النظر، ليس فقط في إستراتيجياتها الجيوسياسية والأمنية، بل أيضًا في سياستها الاقتصادية.. ويجب أن يشمل ذلك إعادة تقييم العلاقات الاقتصادية العالمية، والتعاون الاقتصادي الإقليمي، والاكتفاء الذاتي الاقتصادي، وتعزيز القدرة على الصمود.. وعلى المدى القريب، تحتاج دول الخليج إلى تجاوز الخلافات الداخلية، وبذل جهد منسق للحد من آثار أي هجوم عسكري مُحتمل على الصناعات المحلية، والمخزونات الإستراتيجية، والخدمات اللوجستية داخل دول المجلس، كدرسين رئيسيين مستفادين من حرب الاثنا عشر يومًا، نتيجة عدم الموثوقية في الشركاء من خارج الخليج، وصعوبة تجاهل احتمال نشوب حرب أخرى.. هذان الدرسان يفرضان اتخاذ تدابير لتعزيز المرونة الاقتصادية الإقليمية، بما في ذلك بناء القدرات الصناعية المحلية في القطاعات الحيوية كالغذاء والدفاع، وزيادة تنويع شبكة إمداد المواد والمكونات الأساسية، وتوسيع البنية التحتية اللوجستية الإقليمية، مع توفير أنظمة احتياطية مناسبة في حالة الحرب، وبناء مخزونات وطنية قادرة على حماية المنطقة من انقطاعات الإمداد واسعة النطاق.
●●●
■■ وبعد..
ورغم كل ما سبق، فإنه يبدو غريبًا أن تقول المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، للصحفيين يوم الاثنين الماضي، إن الرئيس دونالد ترامب، مهتم بدعوة دول عربية للمساهمة في تحمل تكاليف الحرب مع إيران.. وعند سؤالها عن مساهمة هذه الدول في تحمل كُلفة الحرب، قالت، إنها لا تريد استباق موقف الرئيس، لكنها أشارت إلى أن هذه فكرة مطروحة لدى ترامب، (أعتقد أن الرئيس مهتم جدًا بدعوتهم للقيام بذلك.. إنها فكرة أعلم أنها تراوده، وأعتقد أنكم ستسمعون منه المزيد بشأنها).. لكن ذلك قد يبدو مقبولًا، في ظل ما صرّح به مسئولون خليجيون ـ مع تزايد الزخم نحو مفاوضات إنهاء الحرب ـ بأن القدرات العسكرية الإيرانية، التي استُخدمت لمعاقبتهم على أفعال الولايات المتحدة وإسرائيل، لا يمكن أن تبقى على حالها في أي نظام إقليمي مستقبلي.. وبينما لا يزال التهديد النووي قائمًا، فإنهم يرون أن الصواريخ الإيرانية تُشكل خطرًا أكثر إلحاحًا.. إذ قال مسئول إقليمي مطلع على الموقف السعودي لشبكة CNN، إن السعودية تريد إضعاف قدرات طهران على صعيد الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز (قدر الإمكان) قبل انتهاء الحرب.. بينما تعتقد الإمارات العربية المتحدة، أنه سيكون من (الصعب) على المنطقة الاستمرار في التعايش مع برنامج إيراني للصواريخ والطائرات المسيرة.. حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.


















0 تعليق