تسلط كاتبة «حدوتة ع الماشي» الدكتورة لميس جابر، والصادر عن دار أطياف للنشر، الضوء على حي الباطنية، أحد أقدم أحياء القاهرة، الذي يمتد عمره لأكثر من ألف عام، رغم أن سمعته السيئة لم تلازمه إلا خلال القرن الأخير فقط.
تعود تسمية الحي في أصلها إلى «الباطلية»، حيث تشير الروايات إلى أنه أثناء بناء مدينة القاهرة في عصر الدولة الفاطمية، استولى بعض العسكر على قطعة أرض بغير وجه حق، فأُطلق عليها هذا الاسم، وقد ذكر المؤرخ تقي الدين المقريزي أن الحي تعرض لحريق كبير عام 663 هـ، ضمن سلسلة حرائق شهدتها القاهرة ومصر آنذاك، حتى أصبح مثالًا يضرب في شدته، إذ كان يقال عن كثير الشرب: «كأن في بطنه حريق الباطلية».
ومع مرور الزمن، بدأ العمران يعود تدريجيًا إلى المنطقة، خاصة بعد أن قام الطواشي بهادر المقدم بإعادة تعميرها في أواخر القرن الثامن الهجري، لتتحول لاحقًا من «الباطلية» إلى «الباطنية»، وهو الاسم الذي استقر في الذاكرة الشعبية.
وعرفت الباطنية في فترات لاحقة ازدهارًا ملحوظًا، إذ أصبحت حيًا راقيًا يضم منازل الأعيان والوجهاء، ومن أبرز معالمها بيت زينب خاتون، الذي لا يزال شاهدًا على عراقة المكان، كما يشير علي مبارك إلى أن المنطقة كانت مقرًا لعلماء الأزهر وطلابه الوافدين من مختلف البلدان، ما منحها طابعًا علميًا وثقافيًا مميزًا.
غير أن هذا الوجه المشرق لم يدم طويلًا، إذ تحولت الباطنية مع مرور الوقت إلى بؤرة لتجارة المخدرات، ما ألصق بها سمعة سلبية استمرت لعقود، لكن في تسعينيات القرن العشرين، شهدت المنطقة تحولًا جذريًا، بعد حملات التطهير وإعادة التأهيل، لتستعيد مكانتها التاريخية وتتحول إلى واحدة من أهم المناطق السياحية في القاهرة.
واليوم، أصبحت الباطنية جزءًا من المشهد الحضاري للمدينة، تحتضن عددًا من المعالم البارزة مثل حديقة الأزهر، وبيت الهرواي، وبيت الست وسيلة، ومجموعة السلطان قنصوه الغوري، فضلًا عن مسجد ومدرسة العيني باشا.
وهكذا، تكشف حكاية الباطنية عن قدرة المكان على التحول، من حارة ارتبط اسمها بالباطل والحرائق، إلى فضاء نابض بالحياة، يستعيد بريقه التاريخي ويؤكد أن القاهرة مدينة لا تكف عن التجدد.
















0 تعليق