قال المنشد محمود التهامى إنه سعيد بمشاركته للمرة السادسة فى مهرجان القلعة الدولى للموسيقى والغناء، مشيرًا إلى أنه مستمر فى تقديم مشروعه «الصوفية والحداثة»، الذى يتعاون خلاله مع الفنان فتحى سلامة، ويمزج بين الإنشاد والموسيقى الحديثة.
وأضاف «التهامى»، فى حواره مع «الدستور»، أن الشباب ليس بعيدًا عن التراث، هو فقط يحتاج إلى من يقدم له هذه القيمة بطريقة قريبة من ذائقته، مشددًا على أن تراث مصر قادر على أن يكون حاضرًا فى الواقع دون تفريط فى الهوية.
■ بداية.. ماذا تمثل لك المشاركة السادسة فى مهرجان القلعة؟
- مهرجان القلعة أصبح جزءًا من رحلتى الفنية وذاكرتى مع الجمهور، ولى عظيم الشرف أن تكون هذه هى المشاركة السادسة لى فى المهرجان، لأن الاستمرار فى حدث فنى بهذا الحجم مسئولية كبيرة، وفى الوقت نفسه مصدر سعادة وفخر.
يعد هذا المهرجان من أهم المهرجانات الثقافية، لأنه استطاع أن يجمع على مدار سنوات مختلفة أطيافًا متعددة من الفنون وأشكال الموسيقى المصرية، ويمنح الجمهور فرصة الاستماع إلى تجارب متنوعة فى مكان واحد.
وأعتقد أن أهم ما يميز المهرجان أنه لا يخاطب جمهورًا واحدًا فقط، وإنما يفتح الباب أمام شرائح مختلفة من المجتمع، وهذا أمر مهم جدًا بالنسبة لأى مهرجان يريد أن يكون له تأثير حقيقى ومستمر.
■ هل أصبحت هناك علاقة خاصة بينك وبين جمهور مهرجان القلعة؟
- بالتأكيد، وأشعر بذلك فى كل مرة أشارك فيها، والجمهور أصبح يعرف المشروع الذى أقدمه وينتظره، وهذا شىء يُسعدنى جدًا، لكنه -فى الوقت نفسه- يجعلنى أشعر بمسئولية أكبر، لأن الجمهور عندما يرتبط بتجربة فنية معينة تصبح لديه توقعات، والفنان يكون مطالبًا دائمًا بأن يقدم شيئًا يليق بهذه الثقة.
■ لماذا تحرص على التعاون مع الفنان فتحى سلامة؟
- الفنان فتحى سلامة قيمة فنية كبيرة، والعمل إلى جانبه يمثل لى تجربة مهمة جدًا، فهو موسيقى يمتلك رؤية خاصة وقدرة على التعامل مع الموسيقى؛ باعتبارها لغة مفتوحة على العالم، وليس مجرد ألحان أو قوالب ثابتة.
كما أن حصوله على جائزة «جرامى» يؤكد حجم تجربته ومكانته الفنية، لكن بالنسبة لى الأهم هو ما يضيفه إلى أى مشروع يعمل فيه، وما يفتحه من مساحات جديدة أمام الموسيقى.
وأنا أحرص دائمًا على أن أكون موجودًا إلى جانبه، لأن التعاون بيننا يقوم على مساحة من الحوار الموسيقى والفنى، وكل منا يأتى من منطقة مختلفة، لكننا نلتقى فى نقطة أساسية، وهى الإيمان بأن التراث يمكن أن يعيش ويتجدد دون أن يفقد هويته.
■ ما تفاصيل مشروع «الصوفية والحداثة»؟
- «الصوفية والحداثة» مشروع عالمى وُلد داخل دار الأوبرا المصرية، وهذه نقطة أعتز بها جدًا. المشروع لم يكن مجرد فكرة لتقديم حفل مختلف، وإنما كان محاولة حقيقية لفتح حوار بين التراث والحداثة من خلال الموسيقى.
الفكرة الأساسية عندى أن التراث مادة حية يمكن إعادة اكتشافها وتقديمها بأشكال مختلفة، بشرط أن نحافظ على جوهرها وروحها.
ومن هنا جاء المشروع ليجمع بين الإنشاد والتجريب الموسيقى، وبين أصالة الموروث وروح العصر. ومع الوقت، لم يعد المشروع محصورًا داخل مصر، وإنما جاب العديد من الدول العربية والأوروبية، وأصبح له حضور خارج الحدود.
وهذا بالنسبة لى يؤكد أن الفن المصرى عندما يقدم بشكل حقيقى وصادق، يستطيع أن يصل إلى أى جمهور، حتى لو كان هذا الجمهور لا يعرف تفاصيل اللغة أو الثقافة التى خرج منها العمل.
■ كيف تحافظون على روح الصوفية مع تقديمها فى قالب حديث؟
- هذه واحدة من أهم التحديات فى المشروع، فالتجديد لا يعنى أن نهدم القديم أو نقطع علاقتنا به. على العكس، التجديد الحقيقى يبدأ من فهم التراث جيدًا.
وعندما نقدم الإنشاد الصوفى، لا نتعامل معه باعتباره مجرد شكل موسيقى، وإنما باعتباره جزءًا من ثقافة وروح وهوية. ولذلك فإن أى تطوير يجب أن يكون واعيًا، ويعرف ماذا يضيف وماذا يحافظ عليه.
نحن نحاول أن نقدم الموسيقى بصورة تسمح للجمهور الجديد بالاقتراب منها وفهمها والتفاعل معها، وفى الوقت نفسه نحافظ على جذورها، وهذا ما يجعل «الصوفية والحداثة» مشروعًا مفتوحًا على مساحات متعددة، فهو يجمع أطيافًا شعبية وثقافية وحضارية متنوعة، ويضعها فى إطار موسيقى واحد.
كما أننى أفرق دائمًا بين التجديد والتخلى عن الهوية؛ فالتجديد ضرورة، لكن بشرط أن يكون قائمًا على المعرفة. ولا يمكن أن نقدم تراثنا وكأننا نعيش فى الماضى، وفى الوقت نفسه لا يمكن أن نأخذ التراث ونفرغه من مضمونه ونُطلق عليه اسم الحداثة.
المطلوب هو التوازن، وأن نعرف كيف نأخذ من الماضى ما يمكن أن يلهم الحاضر والمستقبل. وهذا هو جوهر تجربتى فى «الصوفية والحداثة»، أن أقدم شيئًا يحمل جذوره المصرية، لكنه يستطيع فى الوقت نفسه أن يتحاور مع موسيقى وثقافات مختلفة.
■ كيف كانت تجربة تقديم المشروع خارج مصر؟
- السفر بالمشروع إلى الخارج كان تجربة مهمة جدًا، لأنه وضعنا أمام جمهور مختلف، بثقافات ولغات وتجارب متنوعة.
وفى كل مرة كنا نكتشف أن الموسيقى قادرة على خلق حالة من التواصل حتى عندما لا تكون هناك معرفة كاملة باللغة. وهذا يجعلنى أؤمن أكثر بأن لدينا فى مصر تراثًا ضخمًا يمكن أن يصل إلى العالم إذا وجد المشروع الفنى القادر على تقديمه بصورة صحيحة.
وأتمنى أن يستمر «الصوفية والحداثة» فى السفر إلى مسارح ودول جديدة، وأن نقدم من خلاله صورة مختلفة عن الموسيقى المصرية والإنشاد المصرى.
■ هل الإنشاد الصوفى قادر على الوصول لأجيال جديدة؟
- بالتأكيد، وأنا مؤمن جدًا بذلك. الشباب ليس بعيدًا عن التراث، كما يعتقد البعض، لكنه يحتاج إلى أن نقدم له هذا التراث بطريقة قريبة من لغته ووعيه وذائقته.
المشكلة ليست فى التراث، وإنما أحيانًا فى الطريقة التى نقدم بها التراث. إذا تعاملنا معه باعتباره شيئًا قديمًا لا يمكن الاقتراب منه، فمن الطبيعى أن يشعر الجيل الجديد بأنه بعيد عنه، لكن عندما نقدم التراث باعتباره مصدرًا للإلهام، ونسمح له بالحوار مع الموسيقى الحديثة، سنكتشف أن هناك جمهورًا كبيرًا جدًا يريد أن يسمع ويتعرف ويكتشف.
وأنا أرى أن مهمتى كفنان ليست فقط أن أقدم حفلًا، وإنما أن أسهم فى استمرار هذا النوع من الفن ووصوله إلى أجيال جديدة.
■ ما رأيك فى دور دار الأوبرا فى دعم التجارب المختلفة؟
- دار الأوبرا المصرية مؤسسة لها تاريخ كبير ودور مهم فى الحياة الثقافية والفنية، وأنا سعيد جدًا بأن مشروع «الصوفية والحداثة» وُلد داخلها.
الأوبرا ليست فقط مكانًا للعروض، وإنما مساحة تسمح للفنان بأن يجرب ويطور ويقدم مشروعات مختلفة.
وأحب أن أوجه كل الشكر والتقدير للقائمين على مهرجان القلعة ودار الأوبرا المصرية، وسعيد جدًا بوجود الدكتور رضا الوكيل على رأس دار الأوبرا المصرية هذا العام، وأتمنى له كل التوفيق.
كما أوجه التحية للمهندس ياسر شعبان، رئيس المهرجان، وهو صديق عزيز على قلبى، وللأستاذة هويدا، ولكل فريق العمل الذى يبذل جهدًا كبيرًا من أجل خروج المهرجان بالشكل الذى يليق به.
■ كيف ترى العلاقة بين الفن المصرى والعالم؟
- مصر تمتلك تاريخًا فنيًا وثقافيًا كبيرًا جدًا، وأعتقد أن مسئوليتنا كفنانين أن نقدم هذا الإرث للعالم بصورة تليق به.
نحن لا نريد أن نذهب إلى الخارج فقط لنقول إن لدينا تراثًا، وإنما نريد أن نقدم أعمالًا يستطيع الجمهور فى الخارج أن يتفاعل معها فنيًا وإنسانيًا.
وهنا تأتى أهمية المشاريع التى تجمع بين الأصالة والمعاصرة، لأنها تجعل العمل قادرًا على الوصول إلى جمهور مختلف دون أن يفقد شخصيته.
■ ما الذى تتمنى أن تحققه مشاركتك المقبلة فى المهرجان؟
- أتمنى أن نقدم ليلة تليق بجمهور مهرجان القلعة، وأن ننجح فى تقديم مشروعنا بالصورة التى نطمح إليها.
وأتمنى، أيضًا، أن نواصل تعريف الجمهور، خصوصًا الشباب، بجمال الإنشاد والموسيقى الصوفية، وأن نؤكد أن هذا اللون قادر على التطور والحضور فى المشهد الموسيقى المعاصر.
الأهم بالنسبة لى أن يخرج الجمهور من الحفل وهو يشعر بأنه عاش تجربة فنية وإنسانية مختلفة.
■ وماذا تقول للجمهور الذى ينتظر حفلكم كل عام؟
- أقول لهم إن محبتكم الدافع الحقيقى للاستمرار. عندما أجد الجمهور يسأل منذ أشهر عن موعد المشاركة فى مهرجان القلعة، أشعر بأن هناك علاقة حقيقية تشكلت بيننا، وهذه العلاقة أغلى من أى شىء. أتمنى أن أكون دائمًا عند حسن ظن الجمهور، وأن نقدم لهم ما يستحقون.
كيف ترى الدورة الحالية من مهرجان القلعة؟
- أتمنى أن تخرج الدورة بصورة تليق باسم مصر ومكانتها الثقافية والفنية، وأن يظل مهرجان القلعة واحدًا من أهم المهرجانات التى تجمع المصريين حول الفن والموسيقى. وأكرر شكرى لكل القائمين على المهرجان ودار الأوبرا المصرية، ولكل من يعمل من أجل استمرار هذا الحدث. وأتمنى أن يظل المهرجان مساحة مفتوحة لكل الألوان والتجارب، وأن تستمر مصر فى تقديم فنها وثقافتها للعالم.














0 تعليق