يشهد سوق العمل التكنولوجي تحولات متسارعة مع التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وظهور تخصصات جديدة، وتغير طبيعة العديد من الوظائف القائمة، وهو ما يفرض تطوير منظومة إعداد الكوادر الرقمية بصورة مستمرة، وربطها باحتياجات الصناعة الفعلية.
ويواصل معهد تكنولوجيا المعلومات «ITI»، التابع لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تطوير برامجه التدريبية والتوسع في إتاحة فرص التدريب للشباب بمختلف المحافظات، مع تعزيز مسارات التوظيف والعمل الحر، وربط التدريب بالاحتياجات المتغيرة لسوق العمل.
وفي حوار خاص لـ«الدستور»، تتحدث الدكتورة هبة صالح، مساعد وزير الاتصالات، ومدير معهد تكنولوجيا المعلومات «ITI» التابع لوزارة الاتصالات، عن تطورات منظومة التدريب، وأسباب الإقبال المتزايد من الشباب على البرامج التكنولوجية، وتكشف تفاصيل اختبارات الدفعة الجديدة التي تجاوز عدد المتقدمين لها 20 ألفًا، كما تتناول تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف الرقمية، والمهارات المطلوبة في سوق العمل، وخطط التوسع في المحافظات، ودعم العمل الحر، وتصدير الخدمات الرقمية، إلى جانب دور الشراكات مع القطاع الخاص ونتائج «ملتقى الشركاء الممتد».

بداية.. كم يبلغ حجم المستفيدين من منظومة التدريب في معهد تكنولوجيا المعلومات، وما الفئات التي تستهدفونها؟
نستهدف طلاب الجامعات والخريجين والباحثين عن تطوير مهاراتهم، إلى جانب المتخصصين الراغبين في الانتقال إلى مجالات جديدة، ونقدم لهم مستويات مختلفة من التدريب تبدأ بالتوعية والاستكشاف، ثم التأهيل المهني المكثف، وصولًا إلى التخصص المتقدم، كما طورنا منظومة متعددة المسارات تضم برنامج التدريب الاحترافي الممتد لمدة تسعة أشهر، والبرامج المكثفة، والتدريب الصيفي لطلاب الجامعات، ومنصة «مهارة تك» للتعلم المستمر، إلى جانب البرامج المرتبطة بالتوظيف والعمل الحر، ونوسع الوصول إلى الشباب من خلال فروع المعهد في المحافظات والجامعات، ومراكز إبداع مصر الرقمية، والمنصات الإلكترونية.
وتتواصل حاليًا اختبارات القبول للدفعة الجديدة من برنامج التدريب المتخصص لمدة تسعة أشهر لعام 2026، بعدما تجاوز عدد المتقدمين 20 ألف متقدم، وهو ما يعكس حجم الإقبال المتزايد من الشباب على التدريب التكنولوجي المتخصص، ورغبتهم في بناء مسارات مهنية تتوافق مع احتياجات سوق العمل.
ماذا يعكس هذا الإقبال من الشباب على برامج المعهد؟
يعكس الإقبال وعيًا متزايدًا بأن الشهادة الأكاديمية لم تعد وحدها كافية لدخول سوق العمل، وأن امتلاك المهارات العملية والقدرة على تطبيق المعرفة أصبحا عنصرين أساسيين في بناء المسار المهني. نركز في المعهد على نقل المتدرب من مرحلة المعرفة إلى القدرة على إنتاج قيمة حقيقية داخل بيئة العمل؛ لأن الشركات لا تسأل الخريج فقط عما درسه، وإنما عما يستطيع بناءه، وكيف يتعامل مع المشكلات، ويعمل داخل فريق، ويختبر الحلول ويطورها.
ويعتمد نموذج التدريب لدينا على أساس تقني قوي، والتعلم من خلال المشروعات والممارسة العملية، إلى جانب المهارات المهنية والتواصلية، مع ارتباط مباشر باحتياجات الشركات والوظائف المطلوبة.

ما أبرز التطورات التي شهدتها منظومة التدريب خلال الفترة الأخيرة؟
طورنا نموذج التدريب من برنامج واحد إلى منظومة متعددة المسارات والمراحل، تضم برامج طويلة وعميقة، وأخرى مكثفة، وتدريبًا صيفيًا، ومنصة للتعلم المستمر، وبرامج مرتبطة بالتوظيف والعمل الحر، كما طورنا محتوى البرامج نفسه ليخرج من نطاق تعليم الأدوات إلى بناء المنتجات والمشروعات المتكاملة، وأصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من مختلف المسارات، وليس تخصصًا منفصلًا.
حاليًا نعيد تصميم رحلة التعلم وفق المهارات التي يحتاجها سوق العمل، بحيث يخرج المتدرب قادرًا على تطبيق ما تعلمه وإنتاج قيمة حقيقية، بدلًا من الاكتفاء بالحصول على معرفة نظرية أو إتقان أداة قد تتغير خلال فترة قصيرة.
إلى أي مدى أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من منظومة التدريب؟
أدخلنا الذكاء الاصطناعي في مختلف مسارات التدريب، لأن تأثيره لم يعد مرتبطًا بتخصص واحد، وإنما امتد إلى طبيعة العمل نفسه. نعد متخصصين قادرين على بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطويرها وتأمينها، ونؤهل مطوري البرمجيات والبيانات والأمن والحوسبة السحابية للعمل في بيئة أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا منها، كما نمكن مختلف المتدربين من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة منتجة ومسؤولة، مع القدرة على تقييم مخرجاتها والتحقق من دقتها.
ونعمل على تطوير برامج جديدة بالتعاون مع جهات عالمية، من بينها NVIDIA وGoogle وAnthropic وServiceNow، إلى جانب برامج للذكاء الاصطناعي في مجالات التجارة، وإدارة الأعمال، والقانون، والصحة، وتوجد تخصصات أخرى مثل AI Engineer وAgentic AI وWorkflow Automation وأمن أنظمة الذكاء الاصطناعي.

هل غير الذكاء الاصطناعي طبيعة الوظائف المطلوبة في سوق العمل؟
يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الوظائف القائمة قبل أن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء وظائف وظهور أخرى. أصبح مطور البرمجيات يعمل مع مساعدات ووكلاء برمجيين ينفذون جزءًا من المهام، بينما توسعت مسؤوليات محلل البيانات لتشمل تفسير النتائج والتحقق من جودة البيانات، وأصبح متخصص الأمن السيبراني يتعامل مع أنظمة أكثر قدرة على تحليل التهديدات وتنفيذ الإجراءات، كما دخلت الأدوات التوليدية إلى صميم العملية الإبداعية للمصممين.
كما نركز على إعداد الشباب لمسارات مهنية قابلة للتطور، وليس فقط لوظائف تحمل مسميات محددة، لأن الأداة قد تتغير خلال عام أو عامين، بينما تظل القدرة على التعلم والتكيف وحل المشكلات أساسًا للاستمرار في سوق العمل.
ما أبرز المهارات التي يبحث عنها سوق العمل حاليًا؟
يحتاج سوق العمل اليوم إلى مزيج متكامل من المهارات، يبدأ بأساس تقني قوي، ويمتد إلى القدرة على العمل والتطور داخل بيئة تتغير باستمرار، وفهم طبيعة المنتجات واحتياجات الأعمال، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بكفاءة، إلى جانب امتلاك مهارات التفكير النقدي والتواصل والعمل الجماعي. ولم تعد معرفة أداة أو تقنية محددة كافية لضمان الاستمرار في سوق العمل، خصوصًا مع السرعة التي تتغير بها الأدوات والتقنيات، وإنما أصبحت القدرة على فهم المشكلة واحتياجات العمل، وتوظيف التكنولوجيا للوصول إلى الحل المناسب، ثم تقييم النتائج واتخاذ القرار، هي المهارات التي تمنح المتخصص قدرة أكبر على التطور ومواكبة التغيرات.
وتزداد أهمية هذه المهارات مع ارتفاع قدرات أدوات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت قادرة على تحليل البيانات وتقديم النتائج والاقتراحات وتنفيذ جانب من المهام، بينما تظل مسؤولية الإنسان هي فهم السياق، ومراجعة المخرجات، والتأكد من دقتها وملاءمتها، ثم اتخاذ القرار النهائي. كما نركز في برامجنا على بناء متخصص يمتلك المعرفة التقنية، وفي الوقت نفسه يستطيع التفكير والتحليل والحكم على النتائج والتعامل مع متطلبات العمل بصورة متكاملة.

ماذا عن «مهارة تك» ودورها في التعلم المستمر؟
أصبحت «مهارة تك» إحدى القنوات الرئيسية للتعلم المستمر، وتقترب من مليون مستفيد، وهو ما يمنحنا قدرة أكبر على إتاحة المحتوى المتخصص للشباب دون الارتباط بالمكان أو بعدد المقاعد داخل قاعات التدريب، كما نقوم بتطوير المنصة بصورة مستمرة، ونعمل على توظيف الذكاء الاصطناعي داخل العملية التعليمية نفسها؛ لمساعدة المتعلم والمدرب، ودعم الوصول إلى المحتوى وفهمه، وصولًا إلى تجربة تعلم أكثر ملاءمة لمستوى واحتياجات كل متعلم.
كيف يضمن المعهد توافق برامجه مع احتياجات الشركات؟
نرصد احتياجات الشركات بصورة مستمرة، ونستفيد من ملاحظات الخريجين، ونتابع التغيرات التي تطرأ على الوظائف والتخصصات، ثم نعكس هذه المتغيرات على محتوى البرامج التدريبية. نعمل مع جهات وشركات عالمية ومحلية، لكننا لا نقيس قيمة الشراكة بعدد الأسماء، وإنما بما تضيفه إلى التدريب من تطوير للمحتوى، وتوفير للأدوات والبيئات العملية، ومشاركة خبراء الصناعة، وفتح فرص حقيقية أمام المتدربين. والهدف أن يشعر المتدرب بأن ما يتعلمه داخل المعهد يرتبط بصورة مباشرة بما سيواجهه في بيئة العمل، ولذلك أصبح التواصل مع الشركات جزءًا أساسيًا من عملية تطوير البرامج.
كيف يدعم المعهد العمل الحر والصادرات الرقمية؟
نؤهل الشباب للعمل الحر باعتباره مسارًا مهنيًا متكاملًا، وليس مجرد إنشاء حساب على منصة وانتظار أول مشروع. نبدأ بتحديد التخصص، ثم بناء نماذج أعمال وملف مهني، ونعلم المتدرب كتابة العروض، والتسعير، والتفاوض، وإدارة المشروعات، والتواصل مع العملاء، وحماية الحقوق. وندعم هذا الاتجاه من خلال مبادرة «شغلك من بيتك»، إلى جانب إدماج مهارات العمل الحر في أنشطة المعهد بالمحافظات.
ونستهدف أن يبني الشاب قاعدة عملاء وسمعة مهنية تمكنه من الاستمرار والنمو، وليس مجرد الحصول على مشروع واحد، ونركز أيضًا على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لرفع الإنتاجية، مع الحفاظ على الدقة، وحماية بيانات العملاء، وحقوق الملكية الفكرية.

كيف يمكن تحويل الكفاءات المصرية إلى قوة داعمة للاقتصاد الرقمي؟
نحتاج إلى الانتقال من تصدير ساعات العمل إلى تصدير الخبرة والحلول والمنتجات عالية القيمة، مما يتطلب تعميق التعاون مع الجامعات، وتوسيع قاعدة المواهب في المحافظات، ورفع مستوى التخصص واللغة والتواصل وإدارة المشروعات، كما نحتاج كذلك إلى بناء خبرات قطاعية في التمويل والصناعة والصحة والتعليم والسيارات وغيرها، وتشجيع الكفاءات على الانتقال من تنفيذ المهام إلى بناء فرق وشركات ومنتجات.
ونستهدف في النهاية بناء اقتصاد رقمي قائم على المعرفة والخبرة، وليس فقط على تنفيذ الخدمات، لأن القيمة الأكبر تأتي عندما يتحول المتخصص من منفذ للمهام إلى صاحب خبرة قادر على تطوير حل أو منتج والمنافسة به في الأسواق الخارجية.
ماذا عن دور المرأة في منظومة العمل التكنولوجي؟
نوسع فرص التدريب والعمل أمام السيدات من خلال إتاحة برامج أكثر مرونة، ودعم العمل عن بعد والعمل الحر، والوصول إلى المواهب في المحافظات دون أن يمثل الموقع الجغرافي عائقًا أمامها. نريد أن يتحول العمل الحر إلى مسار مهني حقيقي له تخصص وسمعة وفرص للنمو، وليس إلى بديل منخفض القيمة عن الوظيفة التقليدية، ولذلك نركز على تطوير المهارات ودعم الانتقال من التدريب إلى الوظيفة أو العمل الحر، وبناء خبرة مهنية مستدامة.

ما الهدف الأكبر الذي يسعى المعهد لتحقيقه خلال المرحلة المقبلة؟
نستهدف تمكين الشباب من الوصول إلى رحلة تعلم تناسب مستواه، والخروج منها بقدرة حقيقية على بناء منتج، والعمل داخل فريق، والمنافسة محليًا وعالميًا، والاستمرار في التعلم، حيث أصبح الوصول إلى المعرفة أسهل بفضل المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل المعرفة إلى مهارة، ثم إلى قيمة اقتصادية. ونركز خلال المرحلة المقبلة على الانتقال من التدريب واسع النطاق إلى أثر مهني واقتصادي قابل للقياس، ومن تعليم التكنولوجيا الحالية إلى بناء قدرة مستمرة على مواكبة ما سيأتي، ومن إعداد أفراد إلى بناء مجتمع متكامل من المواهب والمدربين والخبراء.
ماذا يمثل «ملتقى الشركاء الممتد» في هذه الرؤية؟
يمثل الملتقى آلية مستمرة للاستماع إلى الصناعة وربط احتياجاتها بمنظومة التدريب، وليس مجرد فعالية سنوية. شارك خلال أسبوعه الأول ممثلون عن نحو 90 جهة من قطاعات متنوعة، وناقشنا احتياجات فعلية في الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والأمن السيبراني، والحوسبة السحابية، وتطوير البرمجيات، والاختبارات، والتصميم، وغيرها.

نحوّل نتائج هذه المناقشات إلى خطوات عملية داخل منظومة التدريب، سواء من خلال تطوير المحتوى، أو إطلاق تخصصات جديدة، أو توسيع المبادرات، ونريد أن تصبح العلاقة مع الصناعة مستمرة ومبنية على احتياجات حقيقية، بما يساعدنا على الانتقال من التدريب إلى أثر مهني واقتصادي واضح، وتمكين الشباب المصري من المنافسة في سوق العمل محليًا وعالميًا.















0 تعليق