الثلاثاء 18/أغسطس/2026 - 06:36 م 8/18/2026 6:36:27 PM
إثيوبيا اختارت طريقا عجيبا، بدأ الأمر بسد النهضة، ثم جاء التشغيل المنفرد، ثم غابت الاتفاقية القانونية الملزمة، والآن تتحدث إثيوبيا عن سدود جديدة على النيل وعن قدرتها على التحكم في تدفق المياه إلى مصر والسودان، وسائل إعلام نقلت تصريحات حديثة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي تتحدث عن بناء سدود إضافية وتنظيم تدفقات المياه إلى دول المصب.
هنا لم تعد القضية قضية سد، إنها قضية إرادة، إثيوبيا تريد أن تقول لمصر.. أنا أملك المنبع، ولذلك أملك القرار، ومصر تقول لها بوضوح.. لا.
المسألة هنا ليست رفاهية سياسية، مصر دولة صحراوية، والنيل بالنسبة إليها ليس نهرا من بين أنهار كثيرة، وإنما هو شريان الحياة، ولهذا فإن العبث بالنيل ليس خلافا بين حكومتين، إنه مساس مباشر بأمن مصر القومي، مصر طرحت الحلول وطالبت باتفاق قانوني ملزم، وتبادل للمعلومات، وقواعد واضحة للتشغيل، وضمانات للتعامل مع سنوات الجفاف والجفاف الممتد.
ليس مطلوبا من القاهرة أن تعلن الحرب، وليس من الحكمة أن تتعامل مع الأزمة بعصبية أو انفعال، لكن المطلوب هو شيء مختلف تماما.. أن تنتقل مصر من سياسة الصبر المفتوح إلى سياسة الردع الواضح.
هذه ليست تهديدات مصرية، هذه حقوق مصرية، وقد بدأت القاهرة بالفعل في رفع مستوى خطابها، وزير الخارجية بدر عبد العاطي وصف الأمن المائي بأنه قضية وجودية لا يمكن التفريط فيها، وأكد أن إثيوبيا لا يمكنها أن تتصرف بصورة أحادية باعتبارها دولة منبع.
كما أعلنت القاهرة صراحة أن التصريحات الإثيوبية الأخيرة بشأن التحكم في مياه النيل وبناء سدود جديدة تمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي، وهذا هو الموقف الصحيح، إذا استمرت إثيوبيا في التصعيد.
لقد آن الأوان لأن تعرف إثيوبيا أن مصر ليست دولة يمكن دفعها إلى الزاوية ثم مطالبتها بالصبر، مصر تستطيع أن تصبر عندما يكون الصبر في مصلحة السلام،
لكنها لا تستطيع أن تصبر على تهديد وجودها، وهناك فارق كبير بين الأمرين.
مصر لا تحتاج إلى من يحرضها على الحرب، ومصر، في الوقت نفسه، لا تحتاج إلى إذن من أحد للدفاع عن أمنها القومي إذا وصلت الأمور إلى نقطة الخطر، وهذه نقطة يجب ألا تخطئ إثيوبيا فهمها، القوة المصرية لا تعني أن القاهرة ستذهب غدا إلى الخيار العسكري.
القوة تعني أن الخيار العسكري موجود على الطاولة، إلى جانب عشرات الخيارات السياسية والدبلوماسية والقانونية والإقليمية والأمنية.
وهنا أتصور أن الخطوة المصرية المقبلة ستكون أكثر حسما، كما أنه من المهم أن تتحرك مصر مع السودان بقوة، لأن السودان ليس متفرجا في هذه القضية، بل هو أيضا دولة مصب تتأثر مباشرة بأي تحكم إثيوبي منفرد في المياه.
ومن المهم أن تفهم الدول التي تنظر إلى الملف باعتباره مجرد خلاف أفريقي أن الأمر بالنسبة لمصر مختلف تماما، إنها مسألة حياة، ولا توجد دولة عاقلة يمكن أن تطلب من شعبها أن يقبل بأن يصبح مصدر مياهه خاضعا لإرادة دولة أخرى.
لقد أخطأت إثيوبيا إذا اعتقدت أن انشغال مصر بحروب المنطقة يعني انشغالها عن النيل، مصر بالفعل مشغولة لكنها لا تنسى النيل دقيقة واحدة،
مصر تعرف أن المنطقة ملتهبة، وتعرف أن أي حرب جديدة ستكون لها تداعيات خطيرة، وتعرف أن استخدام القوة ليس نزهة، لكنها تعرف أيضا أن ترك إثيوبيا تمضي من سد إلى سد، ومن إجراء أحادي إلى إجراء أحادي، أخطر من أي قرار صعب يمكن أن تتخذه اليوم.
وإذا كانت إثيوبيا قد اعتقدت أن مصر ستعتاد الأمر الواقع، فعليها أن تعيد حساباتها، فالمصري الذي يشرب من النيل منذ آلاف السنين لا يمكن أن يقبل أن يأتي يوم يصبح فيه هذا النهر صنبورا في يد حكومة أجنبية، النيل خط أحمر، ومن حق مصر أن تدافع عن حقها فيه بكل الوسائل التي يتيحها القانون، وبكل أدوات الدولة، وبكل ما تراه القيادة المصرية ضروريا لحماية أمنها القومي.
ولذلك فإن الرسالة الأخيرة إلى إثيوبيا يجب ألا تكون طويلة ولا دبلوماسية أكثر من اللازم، وإذا اختارت إثيوبيا المواجهة، فعليها أن تعرف أن مصر تملك حق الرد، وتملك أدوات الرد، وتملك القرار، وكل الخيارات دون استثناء مفتوحة.















0 تعليق