تتعدد الدوافع والأسباب لخوض تجربة «الستاند أب كوميدي»، لكن داران جونو جونسون يختار إطلاق هذه المرحلة الجديدة من مسيرته في سن الثامنة والثلاثين كوسيلة لـ «العلاج بالمواجهة» لمكافحة اضطراب القلق. وعلى الأقل، بات لدينا الآن تفسيرٌ منطقي لعدم إقدام هذا الرجل الموهوب والمفعم بالكوميديا على الانطلاق بمفرده من قبل؛ فهو الذي يُعد ثلث فرقة «شيبس» (Sheeps) — أبناء جيلهم في فن السكيتش الكوميدي ورئيس كتاب البرنامج الشهير «ساترداي نايت لايف بريطانيا» (Saturday Night Live UK)، مما يعني أنه لا يفتقر أبدًا إلى المؤهلات والخبرة للرهان على منصة الستاند أب.
ورغم أن عرض «Here Comes Mr. Funny» لا يخلو من بعض عقبات البدايات، إلا أنه يُعد انطلاقة مشرقة ومتميزة في مسيرة جونو الفردية، وقد منحني بعضًا من أكبر نوبات الضحك في مهرجان إدنبرة «فرينج» هذا العام. وما يثير الدهشة في العرض بل وربما يُشكل الجزء الأقل إقناعًا فيههو أن جونو، الذي طالما توارى خلف طبقات متراكمة من المفارقة والسخرية الضمنية طوال مسيرته المسرحية، يكشف هنا الكثير عن نفسه بصراحة؛ إذ يعترف بشعوره بالتوتر، ويتحدث بعفوية عن حسد نظرائه أثناء مشاهدتهم على شاشات التلفزيون، متوقعًا في قرارة نفسه أن يرى صورته تظهر فجأة على الشاشة لينضم إليهم.
كيف يُوظف كاتب «SNL» الارتجال والموسيقى لتفكيك مخاوفه؟
قدم جونو جانبًا من هذه المادة الكوميدية من على «كرسي الصدق» الخاص به؛ وهو المقعد الذي يلجأ إليه كما ينوه للجمهور حين يرغب في الحديث المباشر النابع من القلب. لكن الأمور في واقع الأمر ليست بهذه البساطة والوضوح؛ إذ تُعد طفولية المشاكسة المتأصلة في أدائه إحدى أكبر نقاط جاذبيته، جنبًا إلى جنب مع شغفه واستمتاعه بالسبق والتحليق دومًا بمسافة خطوة واحدة أمام استيعاب جمهوره. وهنا تتماهى الحدود وتتلاشى بين الصدق العاطفي والأداء الساخر المتقن؛ وهو التماهي الذي قد يُؤتي ثمارًا أكثر إبهارًا كلما اكتسب جونو مزيدًا من الثقة على منصة الستاند أب.
وفي هذه الأثناء، ينبع الأداء الساخر من جرابٍ حافل بمختلف الأساليب والألوان الكوميدية؛ بدءًا من معزوفات البانجو القتيرة وهي أغنيات مفعمة بالسريالية والمجون الشديد الذي سيكون بمثابة طُعمٍ ساحر لعشاق ألبوم أعياد الميلاد الشهير لفرقة «شيبس»، مرورًا بالعرض المسرحي الفردي لمسرحية غنائية مفترضة للكاتب لويد ويبر، وصولًا إلى مقطع راب مرتجل يرفض بغرابة وطرافة بالغة أن يسير وفق المسار المخطط له. وتبرز في العرض فقرة خاصة ومتميزة يستعرض فيها شارات أفلام «جيمس بوند»؛ حيث يتلذذ جونو باقتيادنا عبر ممرات موسيقية مضللة قبل أن يصفع أبواب الكلمات والنصوص في وجوهنا مفاجئًا الجميع.
يمكنني تصنيف هذه التجربة في مواجهة المخاوف بأنها «نجاحٌ مشروط»؛ لكننا نأمل حقًا أن يرى معالجه النفسي أن هذه المهمة العلاجية لم تكتمل بعد، مما يتطلب من جونو العودة مرارًا وتكرارًا لعروض الستاند أب الفردية.














0 تعليق