يشهد دور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الثالث لمجلس النواب مناقشة وإقرار عدد كبير من القوانين والاتفاقيات الدولية المهمة، التي تستهدف دعم خطط التنمية واستكمال مشروعات البنية التحتية في مختلف المحافظات، إلى جانب إصدار تشريعات تتعلق بقطاعات حيوية، من بينها قوانين التنقيب عن البترول والثروة المعدنية، فضلاً عن عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والتنموية التي تستهدف دعم الاقتصاد الوطني وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
ورغم كثرة القوانين التي ناقشها البرلمان خلال الفترة الماضية، فإن قانوني الإدارة المحلية والأحوال الشخصية كانا الأكثر إثارة للجدل والنقاش تحت قبة البرلمان، نظراً لما يمثلانه من أهمية كبيرة وتأثير مباشر على حياة المواطنين اليومية، سواء فيما يتعلق بتنظيم المحليات والخدمات داخل القرى والمدن، أو ما يرتبط بقضايا الأسرة والحضانة والنفقة والرؤية وتنظيم العلاقات الأسرية.
ويُعد مشروع قانون الإدارة المحلية من أهم التشريعات المنتظرة منذ سنوات طويلة، خاصة أنه يتعلق بتنظيم عمل الوحدات المحلية والأحياء والمدن والقرى، ويهدف إلى تطوير منظومة الإدارة المحلية بشكل كامل، بما يحقق سرعة الاستجابة لشكاوى المواطنين وتحسين الخدمات المقدمة لهم، فضلاً عن تعزيز الرقابة على أداء المسؤولين داخل المحافظات والأحياء، ومواجهة أي مظاهر فساد أو تقصير داخل الجهاز الإداري المحلي.
وكانت الحكومة قد تقدمت في وقت سابق بمشروع قانون للإدارة المحلية، إلا أن المشروع قوبل برفض واسع داخل مجلس النواب، بسبب اعتماده على صياغات قديمة تم إعدادها منذ عام 2016، وهو ما اعتبره عدد كبير من النواب غير مناسب للتطورات الكبيرة التي شهدتها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، سواء على مستوى البنية التحتية أو التحول الرقمي أو خطط التنمية العمرانية وتطوير القرى والمدن.
وأثار مشروع القانون الحكومي حالة من الجدل بين النواب بمختلف انتماءاتهم السياسية، حيث أكد عدد منهم أن القانون بصيغته القديمة لا يواكب حجم المتغيرات الحالية، ولا يتناسب مع الجمهورية الجديدة والمشروعات القومية التي تم تنفيذها خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي دفع البرلمان إلى المطالبة بإجراء تعديلات شاملة على مشروع القانون قبل مناقشته بصورة نهائية.
وفي المقابل، تقدم عدد من أعضاء مجلس النواب بمشروعات قوانين بديلة للإدارة المحلية، من بينهم مشروع القانون المقدم من النائب محمد عطية الفيومي، ومشروع قانون مقدم من النائبة سحر عتمان، بالإضافة إلى مشروع قانون مقدم من النائب عمرو درويش، وذلك بهدف الوصول إلى صياغة تشريعية أكثر تطوراً تتماشى مع احتياجات المرحلة الحالية.
وعقب ذلك، تم تشكيل لجنة فرعية متخصصة لمناقشة جميع مشروعات القوانين المقدمة بشأن الإدارة المحلية، وضمت اللجنة نخبة من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من الخبراء والمتخصصين، وممثلين عن وزارة العدل والوزارات والجهات المعنية بملف الإدارة المحلية.
وعقدت اللجنة الفرعية المشكلة لدراسة ومراجعة مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن نظام الإدارة المحلية، ومشروعات القوانين المقدمة من النواب في ذات الشأن، اجتماعها الأول يوم 20 مايو 2026، برئاسة المستشار علاء الدين فؤاد، وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، وبحضور المستشار محمد عبدالعليم كفافي، المستشار القانوني لرئيس مجلس النواب ومقرر اللجنة الفرعية، بالإضافة إلى أعضاء من مجلسي النواب والشيوخ ومقدمي مشروعات القوانين، إلى جانب ممثلي الوزارات والجهات المختصة.
وخلال الاجتماع، أوضح رئيس اللجنة الفرعية أن المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، اعتمد قرار تشكيل اللجنة التي تضم ممثلين عن اللجان النوعية المختصة داخل البرلمان، إلى جانب الخبراء والمتخصصين وممثلي الوزارات المختلفة، ومنها وزارات التنمية المحلية، والإسكان، والداخلية، والعدل، والمالية، والتخطيط، فضلاً عن ممثلين عن مجلس الدولة وهيئة مستشاري مجلس الوزراء والمجلس القومي لحقوق الإنسان.
وأكد رئيس اللجنة أن تشكيل اللجنة بهذا الشكل يأتي في إطار حرص مجلس النواب على تطبيق النهج التشاركي بين مختلف مؤسسات الدولة، بهدف الوصول إلى قانون متوازن يحقق المصلحة العامة، ويواكب التطورات الحديثة في منظومة الإدارة المحلية.
وفي مستهل الاجتماع، وافقت اللجنة الفرعية على خطة ونظام عملها، والتي تضمنت عدداً من الضوابط المهمة، من أبرزها أن يكون لكل جهة أو وزارة ممثلة داخل اللجنة صوت واحد فقط، بالإضافة إلى منح اللجنة صلاحية عقد جلسات استماع مع الخبراء والمتخصصين والجهات ذات الصلة بمشروع القانون، للاستفادة من مختلف الرؤى والخبرات قبل الانتهاء من الصياغة النهائية للتشريع.
كما وافقت اللجنة الفرعية بالإجماع على تقسيم مشروعات القوانين المعروضة عليها إلى قانونين منفصلين، الأول يتعلق بتنظيم الوحدات المحلية، والثاني يختص بانتخابات المجالس المحلية، على أن تبدأ اللجنة أعمالها بإعداد مسودة مشروع قانون الوحدات المحلية باعتباره الأساس الرئيسي لمنظومة الإدارة المحلية الجديدة.
وقررت اللجنة في نهاية اجتماعها استكمال أعمالها خلال الاجتماعات المقبلة، مع عقد جلسات استماع بحضور الوزراء والمسؤولين المعنيين، من أجل عرض رؤيتهم بشأن تطوير الإدارة المحلية وآليات تنفيذ القانون الجديد على أرض الواقع، بما يضمن تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين وتحقيق التنمية المتوازنة داخل المحافظات.
أبرز تعديلات قانون الأسرة الجديد
وعلى جانب آخر، يُعد مشروع قانون الأحوال الشخصية من أكثر القوانين التي أثارت جدلاً واسعاً خلال الفترة الأخيرة، خاصة في ظل تزايد الخلافات المتعلقة بالحضانة والرؤية والنفقة والاستضافة والاستزارة، إلى جانب القضايا المرتبطة بتنظيم العلاقة بين الأب والأم بعد الانفصال.
وشهد مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد اهتماماً كبيراً من الرأي العام، نظراً لأنه يتعامل مع ملفات شديدة الحساسية تمس استقرار الأسرة المصرية بشكل مباشر، حيث تسعى الحكومة من خلاله إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن بين حقوق الأب والأم ومصلحة الطفل.
ومن أبرز النقاط التي أثارت الجدل داخل مشروع القانون الجديد مسألة ترتيب الأب في الحضانة، إذ ينص القانون الحالي على أن ترتيب الأب يأتي في المرتبة السادسة عشرة ضمن مستحقي الحضانة، وهو ما اعتبره كثيرون أمراً غير عادل، خاصة في الحالات التي تكون فيها الأم غير قادرة على رعاية الطفل.
وجاء مشروع القانون الجديد بتعديل مهم في هذا الشأن، حيث نص على أن يكون الأب في المرتبة الثانية ضمن ترتيب الحضانة، وهو ما اعتبره البعض خطوة نحو تحقيق التوازن الأسري، بينما رأى آخرون أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسة لضمان الحفاظ على مصلحة الطفل في المقام الأول.
كما تضمن مشروع القانون عدداً من التعديلات الأخرى المتعلقة بتنظيم حق الرؤية والاستضافة والاستزارة، في محاولة لإنهاء النزاعات المستمرة بين الآباء والأمهات بعد الطلاق، ووضع آليات قانونية واضحة تضمن تنفيذ الأحكام بطريقة تحقق الاستقرار النفسي والاجتماعي للأطفال.
وتناول مشروع القانون أيضاً مسألة النفقة، من خلال وضع ضوابط جديدة تهدف إلى تحقيق العدالة بين الطرفين، وضمان حصول الأطفال على حقوقهم المادية والمعيشية بصورة مناسبة، مع مراعاة الظروف الاقتصادية الحالية.
ومن بين أبرز التعديلات التي أثارت اهتمام الرأي العام كذلك، النص على أحقية الزوجة في طلب فسخ الزواج خلال أول ستة أشهر من الزواج، إذا ثبت وجود تدليس أو كذب من جانب الزوج بشأن معلومات جوهرية تتعلق بشخصه أو وضعه الاجتماعي أو المهني، مثل ادعائه العمل في وظيفة معينة أو امتلاكه صفات غير حقيقية، وذلك بشرط ألا تكون الزوجة قد حملت منه خلال تلك الفترة.
ويترقب الشارع المصري ما ستسفر عنه المناقشات البرلمانية خلال الفترة المقبلة، سواء فيما يتعلق بقانون الإدارة المحلية أو قانون الأحوال الشخصية، باعتبارهما من القوانين المؤثرة بشكل مباشر على حياة المواطنين، خاصة أن نجاح هذه التشريعات قد يمثل خطوة مهمة نحو تحسين مستوى الخدمات العامة، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الأسري والاجتماعي داخل المجتمع المصري.














0 تعليق