استراتيجية مكافحة الفساد

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

منذ اللحظة الأولى التى انحازت فيها القوات المسلحة المصرية لإرادة الشعب فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣، أدركت الدولة المصرية أن مسيرة البناء والتنمية لن يكتب لها النجاح الحقيقى ما لم تقترن بإرادة سياسية صلبة لاستئصال جذور الفساد الذى توغل فى مفاصل الجهاز الإدارى للدولة لعقود طويلة. لم يكن الفساد فى مصر مجرد مخالفات إدارية، بل كان دولة موازية تعطل عجلة الإنتاج وتنهب موارد البلاد وتضعف ثقة المواطن فى مؤسساته، ومن هنا تحولت مكافحة الفساد من مجرد شعار براق إلى استراتيجية وطنية شاملة، تبنتها الدولة كركيزة أساسية للجمهورية الجديدة.

ولم تكن الحرب على الفساد التى قادتها الدولة منذ ٢٠١٣ صدفة، بل كانت ضرورة ملحة فرضتها استحقاقات البناء، لقد أيقن الرئيس عبدالفتاح السيسى أن تكلفة الفساد ليست مالية فحسب، بل تكلفة أمن قومى واجتماعى، فالمجتمعات التى ينتشر فيها الفساد تضعف فيها قدرة الدولة على تقديم الخدمات، وتتآكل فيها قيم العدالة.

اتسمت هذه المواجهة بالوضوح والجرأة، حيث رفعت الدولة شعار لا أحد فوق القانون، سواء كان مسئولًا أو سياسيًا فى حزب سياسى، ولتحويل هذا الشعار إلى واقع تم تعزيز دور الأجهزة الرقابية، وعلى رأسها هيئة الرقابة الإدارية، التى منحت صلاحيات واسعة وغير مسبوقة للكشف عن وقائع الفساد فى مختلف قطاعات الدولة، بدءًا من أصغر وحدة إدارية، وصولًا إلى كبار المسئولين، إن المشهد الذى اعتاد عليه المصريون بعد ٣٠ يونيو، المتمثل فى القبض على مسئولين متورطين فى قضايا رشوة وإهدار مال عام، كان بمثابة رسالة حاسمة بأن عهد الإفلات من العقاب قد ولى إلى غير رجعة.

وقد أطلقت الدولة المصرية الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد عبر مراحل متتالية خلال أعوام ٢٠١٤ و٢٠١٨ و٢٠١٩و٢٠٢٢، ثم المرحلة الثالثة حتى ٢٠٣٠، ولم تعد هذه الاستراتيجيات مجرد وثائق نظرية، بل أصبحت خارطة طريق عملية تهدف إلى التحول الرقمى، وكان الفساد يجد بيئته الخصبة فى البيروقراطية الورقية والتعامل المباشر بين الموظف والمواطن، ومن خلال مشروع مصر الرقمية، سعت الدولة إلى تقليص التدخل البشرى فى تقديم الخدمات الحكومية مثل استخراج الوثائق وتراخيص البناء والخدمات التموينية، ما يقلل بشكل جذرى من فرص الابتزاز أو الرشوة.

وعملت الدولة على تحديث القوانين المتعلقة بالخدمة المدنية، والتعاقدات الحكومية، وحماية الشهود والمبلغين، لتوفير غطاء قانونى قوى يحمى المال العام ويشجع على الإبلاغ عن الفساد دون خوف، ومع انطلاق المشروعات القومية العملاقة كالعاصمة الجديدة وشبكة الطرق ومشروعات الإسكان، حرصت الدولة على إرساء معايير صارمة للمناقصات والشفافية فى الإنفاق، مع الرقابة اللصيقة على التنفيذ، لضمان وصول الدعم لمستحقيه وتوجيه الموارد لمكانها الصحيح، وتدرك الدولة المصرية أن الفساد هو العدو الخفى الذى يلتهم مكتسبات التنمية، وإن كل جنيه يهدر فى عملية فساد هو جنيه يخصم من ميزانية التعليم أو الصحة أو تطوير البنية التحتية. ومن ثمّ فإن ضرب أوكار الفساد لم يكن هدفًا فى حد ذاته، بل كان وسيلة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة المتمثلة فى رؤية مصر ٢٠٣٠.

لقد أثبتت التجربة المصرية أن استعادة هيبة الدولة لم تتحقق بالخطب بل باستعادة المال العام وبإعادة الانضباط لسلوك المسئول، وإن نجاح الدولة فى تحسين المؤشرات الاقتصادية الدولية، وتحسين بيئة الاستثمار يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجهودها فى تقليص معدلات الفساد، حيث يبحث المستثمر دائمًا عن بيئة قانونية عادلة وشفافة تخلو من الوسطاء أو المحسوبية.

ورغم النجاحات الملموسة، إلا أن معركة مصر ضد الفساد مستمرة، وهى معركة نفس طويل، فثقافة الفساد التى تغلغلت لسنوات لا تزال تقاوم، ولكن الإرادة السياسية أظهرت تصميمًا على عدم التراجع، كما تركز الدولة حاليًا على تعزيز الوعى المجتمعى، فالمواطن هو خط الدفاع الأول ضد الفساد، ومن خلال حملات التوعية، وتفعيل قنوات الإبلاغ الآمنة، أصبح المواطن شريكًا فى عملية التطهير، مدركًا أن صمته عن الفساد يعنى ضياع حقه وحق الأجيال المقبلة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق