باحثة تونسية: المسرح بالعصر الرقمي فضاءً مقاومًا لسطحية السرعة والاختزال

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

تحدثت الدكتورة فوزية ضيف الله، باحثة تونسية، عن "الوظيفة التربوية للمسرح العربي في ظل التحول الرقمي"، خلال جلسة نقاشية أدارها الفنان فيصل الدرمكي، ضمن فعاليات مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي في دورته التاسعة بإمارة الشارقة.

المسرح العربي ارتبط ارتباطا وثيقا بمشروع الاصلاح والتهذيب

وقالت د. فوزية: لقد شكّل المسرح، منذ نشأته الأولى لدى الإغريق ما يشبه المدرسة الحيّة للإنسان يتعلم فيها عبر الفعل والمحاكاة والتجربة المباشرة، حيث ارتبط المسرح العربي ارتباطا وثيقا بمشروع الاصلاح والتهذيب منذ بداياته الأولى مع مارون النقاش في منتصف القرن التاسع عشر، وقد كان يُنظر إليه كوسيلة جديدة قادرة على "تعليم الناس" خارج الأطر التقليدية للمدرسة بما يجعله أداة لتهذيب اللغة ونشر القيم الأخلاقية، وتثقيف الجمهور.

وأضافت الباحثة المسرحية، أنه لم يكن المسرح يُفهم كفن مستقلّ، بل كـوسيلة تربوية مباشرة أشبه بدرس "ممسرح" يُقدَّم للجمهور، لذلك كثرت في نصوصه الأولى الموضوعات ذات الطابع القيمي والأخلاقي الصريح. وكان الهدف الأساسي هو الإرشاد والتوجيه أكثر من بناء تجربة جمالية مركّبة.

وتابعت: في هذا السياق تبلور ما يمكن تسميته بـالنموذج الوعظي للمسرح، حيث تُبنى الشخصيات غالبًا بوصفها رموزًا أخلاقية، ويُقدَّم المعنى بشكل مباشر وجليّ، على نحو يسمح بتمرير "الدروس" دون حاجة إلى تأويل عميق أو مساءلة، غير أن المسرح العربي مع تطوره في القرن العشرين، بدأ يخرج تدريجيًا من هذا النموذج، فلم يعد الهدف هو تلقين القيم، بل جعل المتفرج يعيش التجربة ويُنتج المعنى بنفسه. وهنا ينتقل المسرح من خطاب مباشر يُعطي المعنى جاهزًا، إلى تجربة جمالية مفتوحة تُنتج الدلالة داخل المتلقي.

التربية المسرحية أصبحت ممارسة بيداغوجية تهدف إلى تنمية الكفايات التعبيرية والجسدية

وأردفت: أما في السياق المعاصر، لم تعد التربية المسرحية مقتصرة على العرض، بل أصبحت ممارسة بيداغوجية تهدف إلى تنمية الكفايات التعبيرية والجسدية، وتعزيز العمل الجماعي، وتطوير الخيال والحس النقدي لدى المتعلم. وهو ما يجعلها قريبة من تصور التعلم بالخبرة عند جون ديوي في كتابه التربية والتجربة، حيث لا يتحقق التعلم إلا عبر الفعل والممارسة والانخراط المباشر في التجربة.

ونوهت الباحثة المسرحية، أنّ هذا الدور التربوي يُواجه اليوم تحدّيات عميقة في ظلّ التحوّل الرقمي، الذي أعاد تشكيل علاقة الفرد بالزمن والانتباه والمعرفة، فكما يوضّح نيكولاس كار  في كتابه "السطحيون: ما الذي تفعله الإنترنت بعقولنا؟" أدّت البيئة الرقمية إلى تراجع القدرة على التركيز العميق، بينما يحذر نيل بوستمان في كتابه "نلهو أنفسنا حتى الموت"، من تحول الثقافة إلى فضاء ترفيهي يختزل التفكير في الاستهلاك السريع للصورة، وهو ما يضع المسرح أمام مفارقة جوهرية: كيف يُحافظ على جوهره القائم على الحضور الحيّ والتجربة الممتدة في زمن السرعة الرقمية؟.

وأشارت إلى أن مستقبل التربية المسرحية في السياق العربي لا يمكن أن يُبنى على استعادة النموذج التلقيني أو الوعظي بل على إعادة بناء المسرح بوصفه بيداغوجيا للفعل والتجربة، حيث يتحول المتعلم إلى فاعل داخل إنتاج المعرفة لا متلقٍ لها، ومن هذا المنظور يغدو المسرح في العصر الرقمي فضاءً مقاومًا لسطحية السرعة والاختزال ومجالًا لإعادة تشكيل الانتباه وبناء الوعي النقدي في عالم يتسم بتشتت الإدراك وتكاثر الصور وتراجع العمق التأملي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق