صدرت، اليوم الإثنين، الرسالة العامة الأولى للبابا لاوُن الرابع عشر بابا الفاتيكان، والتي جاءت تحت عنوان "الإنسانية الرائعة حول حماية الشخص البشري في زمن الذكاء الاصطناعي".
وتأتي هذه الوثيقة التعليمية المرجعية، المتألفة من خمسة فصول، لتعيد قراءة "الشؤون الحديثة" لعصرنا في ضوء الإنجيل، واضعةً العالم أمام خيار حاسم: إما تشييد برج بابل جديد يقوم على الأنانية، أو بناء المدينة المشتركة التي يسكنها الله والإنسان معًا.
وتنطلق الرسالة من فرضية أساسية مفادها أن التكنولوجيا ليست شرًا بذاتها، لكنها في الوقت عينه ليست محايدة؛ إذ تكتسي دائمًا بملامح صانعيها ومستخدميها، مما يستدعي مسؤولية مشتركة شجاعة تقوم على مبادئ العقيدة الاجتماعية للكنيسة. وفي مقدمة هذه المبادئ، يرفع الأب الأقدس راية "الكرامة الجوهرية" للشخص البشري، المخلوق على صورة الله، محذرًا من ضغط الأيديولوجيات والمصالح التي تختزل الإنسان في الإنتاجية والبيانات. كما يعيد التأكيد على حرمة الحق في الحياة من الحبل بها حتى الموت الطبيعي، مدينًا الإجهاض والموت الرحيم، وداعيًا إلى إنصاف الأقليات ودعم دور المرأة الفعلي في المجتمع والسياسة.
وفي معالجة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للثورة الرقمية، شدد البابا على "الوجهة العالمية للخيور"، رافضًا احتكار المعارف والتقنيات في أيدي قلة نافذة تفاقم الفجوة بين الأمم. كما يتطرق بقوة إلى قضايا العدالة الاجتماعية، مطالبًا بحماية الفئات الأكثر هشاشة، ومكافحة التضليل وخطاب الكراهية، وتأمين حقوق المهاجرين واللاجئين عبر ضمان "حقهم في الرجاء" بالاستقبال الكريم، و"حقهم في البقاء" بأمن في أوطانهم. وفي لفتة صريحة لشؤون الكنيسة، يحث قداسته على "فحص ضمير داخلي" لتطهير البنى الكنسية من الانحرافات والاستقواء، والإصغاء لضحايا الانتهاكات الروحية والسلطوية والجنسية كجزء لا يتجزأ من مسيرة العدالة.
وفي الفصل المحوري المتعلق بالذكاء الاصطناعي، وجه الحبر الأعظم نقدًا لاذعًا لـ"النموذج التكنوقراطي" ونظريات "ما بعد الإنسانية" التي تسعى لإلغاء الحدود البشرية، موضحًا أن الهشاشة والمحدودية هما المساحة التي تنضج فيها العلاقات والتعاطف الذي تفتقر إليه الآلة الصماء. ومن هذا المنطلق، يطلق البابا نداءً لـ"تجريد الذكاء الاصطناعي من السلاح"، لانتشاله من منطق التنافس العسكري والاقتصادي، وصياغة مدونة أخلاقية كونية، دون إغفال الأثر البيئي المدمر لاستهلاك التقنيات الحديثة للطاقة والمياه.
ويمتد التحذير البابوي ليشمل حماية كرامة العمل ضد البطالة المؤتمتة بذريعة خفض التكاليف، مع التذكير بدور النقابات وأهمية تخطي معيار "الناتج المحلي الإجمالي" كقياس وحيد للتطور. ولتحصين الأجيال الصاعدة، دعا الأب الأقدس إلى تجديد "التحالف التربوي" والتدرب على "الصوم عن الذكاء الاصطناعي" في المدارس لإعادة الاعتبار للعلاقات الإنسانية الحية، منبهًا من مخاطر "الرقابة الاجتماعية الكثيفة" والاستعمار الرقمي الجديد الذي ينهب البيانات والمعلومات الحيوية ويخلق عبودية جديدة كالمعاناة التي يتعرض لها مستخرجو المعادن النادرة.
وفي الختام، يضع البابا لاوُن الرابع عشر "ثقافة القوة" في مواجهة "حضارة المحبة"، مستنكرًا عسكرة الذكاء الاصطناعي وغياب الذاكرة التاريخية التي تحول الحرب إلى خيار فوري عابث؛ مؤكدًا أنه لا توجد خوارزمية يمكنها جعل الحرب مقبولة أخلاقيًا. وإذ يدعو إلى إصلاحات عميقة في منظمة الأمم المتحدة والنظام الدولي.
وجدد إدانته الحازمة للإرهاب والعنف باسم الدين، مشيرًا إلى أن دبلوماسية الكرسي الرسولي ستبقى محكومة بمبدأ الرحمة الإنجيلي. واختتم الرسالة العامة بنداء حار لجميع المؤمنين وأصحاب الإرادة الصالحة للشهادة لجمال إنسانية رائعة يسكنها الله، ساهرين كـ"صناع رجاء" في ورشة هذا العصر.















0 تعليق