لماذا تراجعت ترجمة الإبداع المصري إلى اللغات الأجنبية رغم مخصصاتها المالية؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تفتح "الدستور" ملف الترجمة العكسية، أو ما يُعرف بترجمة الأعمال من العربية إلى اللغات الأجنبية، باعتباره أحد أكثر الملفات ارتباطًا بمستقبل القوة الناعمة المصرية، في ظل تساؤلات متزايدة حول قدرة المؤسسات الثقافية الرسمية على تصدير الإبداع والمعرفة المصريين إلى العالم، مقابل التركيز التقليدي على ترجمة الأعمال الأجنبية إلى العربية.

وكشف تحليل أجرته «الدستور» لقاعدة بيانات إصدارات المركز القومي للترجمة، على مدار ما يقرب من ثلاثة عقود منذ تأسيسه عام 1996 بوصفه إحدى لجان المجلس الأعلى للثقافة وحتى مايو 2026، عن إصدار 1066 كتابًا مترجمًا عبر 35 لغة، بمتوسط سنوي بلغ نحو 53.3 كتابًا، مع تفاوت واضح في معدلات الإنتاج تبعًا للظروف المؤسسية والاقتصادية والثقافية.

الكتب المترجمة من العربية للغات أجنبية لم تتجاوز 13 كتابًا فقط خلال الفترة محل الدراسة

غير أن المؤشر الأكثر إثارة للتساؤل يرتبط بالترجمة العكسية؛ إذ أظهرت البيانات أن الكتب المترجمة من العربية إلى لغات أجنبية لم تتجاوز 13 كتابًا فقط خلال الفترة محل الدراسة، بنسبة تقارب 1.2% من إجمالي الإصدارات، وهو ما يضع اللغة العربية في المرتبة التاسعة بين لغات الترجمة داخل المركز.

 اللغة الإنجليزية المشهد بإجمالي 514 كتابًا مترجما

وفي المقابل، تصدرت اللغة الإنجليزية المشهد بإجمالي 514 كتابًا، بما يمثل أكثر من نصف الإصدارات، تلتها الفرنسية بـ108 كتب، ثم الإسبانية بـ56 كتابًا، فالألمانية واليونانية بـ47 كتابًا لكل منهما، والفارسية بـ43 كتابًا، والروسية بـ38 كتابًا، ثم الإيطالية بـ14 كتابًا، فالعربية بـ13 كتابًا، وأخيرًا العبرية بـ12 كتابًا.

هل انشغل المركز القومي للترجمة بدور "المتلقي" للمعرفة العالمية أكثر من قيامه بدور "المُصدر"؟

هذه الأرقام تطرح سؤالًا جوهريًا: هل انشغل المركز القومي للترجمة بدور "المتلقي" للمعرفة العالمية أكثر من قيامه بدور "المُصدر" للثقافة المصرية والعربية؟

ورغم أن المركز أعلن، في 25 أكتوبر 2022، خلال رئاسة الدكتورة كرمة سامي، إطلاق مشروع "الترجمة العكسية" الهادف إلى نقل الأدب والثقافة العربية إلى اللغات الأجنبية، بهدف تقديم صورة أكثر توازنًا عن الثقافة المصرية بعيدًا عن القراءات الاستشراقية، فإن المؤشرات الرقمية لا تزال تكشف محدودية ملموسة في هذا المسار.

واستهدفت المرحلة الأولى من المشروع ترجمة مختارات من أعمال رموز الأدب والفكر المصري، من بينهم يحيى حقي وهدى شعراوي، إلى جانب أعمال ذات أبعاد إنسانية وتاريخية، كما طُرحت ترجمات لرواية الطوق والأسورة باعتبارها إحدى باكورات المشروع.

لكن الجدل يتسع بالنظر إلى أن اللائحة التنظيمية الفنية للمركز، الخاضعة للقرار الجمهوري رقم 381 لسنة 2006 وتعديلاته اللاحقة، تضمنت مخصصات مالية مرتبطة بالترجمة العكسية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول حجم ما تحقق فعليًا من هذا المسار، ومدى توظيف تلك المخصصات خلال السنوات الماضية؛ وهو ما أشار الشاعر والكاتب أحمد الشهاوي، خلال ندوة مناقشة كتاب «الأدب الصيني بالعربية» في بيت الحكمة، أمس.

هل تغيّر الإدارة الجديدة المعادلة؟

مؤخرًا، طرح دكتور محمد نصرالدين الجبالي، مدير المركز القومي للترجمة، رؤية مختلفة للترجمة العكسية خلال ندوة بعنوان «الترجمة في عصر الذكاء الاصطناعي: مقاربة أم منافسة؟» بالمجلس الأعلى للثقافة، مؤكدًا أن من بين مستهدفات الإدارة الجديدة رفع نسبة الترجمة العكسية لتصل في مرحلتها الأولى إلى ما بين 25 و30% من إصدارات المركز، وصولًا إلى نصف الإنتاج في مرحلة لاحقة.

وأوضح "الجبالي" أن الترجمة العكسية قد تكون أقل كلفة نسبيًا من ترجمة الأعمال الأجنبية، لسهولة الحصول على الحقوق الفكرية عند التعامل مع كتّاب مصريين أو ورثتهم، مقارنةً بالتكاليف المرتفعة للحصول على حقوق ترجمة الكتب الأجنبية التي تُسدَّد غالبًا بعملات أجنبية.

توجه لإطلاق منصة رقمية للمركز تتيح الإصدارات إلكترونيًا

كما كشف عن توجه لإطلاق منصة رقمية للمركز، تتيح الإصدارات إلكترونيًا، بهدف تقليل تكاليف الطباعة وتعزيز الوصول العالمي للمحتوى المترجم، مؤكدًا أن المستقبل يتجه نحو الإتاحة الرقمية أكثر من الاعتماد على الطباعة التقليدية بكميات كبيرة.

وأشار إلى أن مدة إنتاج الكتاب المترجم تتراوح بين ثمانية أشهر وعام، تشمل ما لا يقل عن ستة أشهر للترجمة وشهرين للمراجعة العلمية واللغوية، مؤكدًا أن الهدف لا يقتصر على زيادة الكم، وإنما تحسين الجودة النوعية للإصدارات.

الترجمة العكسية وإفريقيا.. فرصة مؤجلة

وربما يفتح ملف الترجمة العكسية بابًا أوسع يتعلق بالامتداد الثقافي المصري داخل أفريقيا، لا سيما مع التنوع اللغوي الهائل في القارة، التي تضم ما بين 1250 و2100 لغة، وفق تقديرات دولية، بعضها يرفع العدد إلى أكثر من 3000 لغة ولهجة.

وتبرز هنا أهمية الترجمة إلى لغات أفريقية مؤثرة مثل الأمهرية والسواحيلية، التي تُستخدم على نطاق واسع في شرق أفريقيا، بما يسمح بتوسيع دوائر التأثير الثقافي المصري داخل القارة، خاصة في ظل الحديث المتكرر عن استعادة الدور المصري أفريقيًا.

وفي هذا السياق، يرى "الجبالي" أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق مشروعات للترجمة العكسية، وإنما في تحويلها إلى سياسة ثقافية مستدامة تجعل من الأدب والفكر المصريين جسرًا فعّالًا للقوة الناعمة المصرية عالميًا، ولا سيما في ما يتعلق بترجمة الأعمال الإبداعية المصرية إلى اللغات واللهجات الإفريقية، بوصفها إحدى الأولويات المطروحة ضمن مستهدفات المركز خلال المرحلة المقبلة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق