ارتعدت فرائصه، إذ يذكره الرصاص بالموت. بانت الصحراء القاحلة أمامه موقعا مثاليا لمذبحة دامية، ينعس فيها ملاك الرحمة، وتخمد مشاعر الشفقة والرقة، ويتصلب القلب كحجر صلت. كان يوسف إدريس قد دُعى مطلع الثمانينيات للقاء الرئيس المهيب الركن صدام حسين، فلما وصل بغداد قيل له إنه مدعو لمهمة وطنية خارج العاصمة، فنقلوه إلى حيث نُصبت ساحة إعدام رأى فيها الديكتاتور العراقى بزيه العسكرى يمتشق مسدسا ويضحك بعد قيامه بإعدام مجموعة من الخونة بنفسه. لم يكن غريبا أن يقتل حاكم العراق، خصومه بيديه، إذ كان ذلك يزيده انتشاء ورضا وشعورا بالقوة.
فى مشهد آخر جرى بمدينة الرباط فى يوليو عام 1971، اصطحب الملك الحسن الثانى، ملك المغرب الراحل، ضيفه الملك الحسين بن طلال، ملك الأردن إلى ساحة اعدام، صُف فيها عشرة ضباط متآمرين. وجلس الحاكمان يحتسيان القهوة، ويتحادثان، إذ تُليت الأحكام وكبر الحاضرون، واقتيد المتهمون بمحاولة الانقلاب على الملك ليركعوا أمام جلالته، ويهتفوا بحياته، قبل أن يُطلق على كل منهم رصاص النهاية، ليسقطوا فى حفرة الجثث، بينما كان التليفزيون الرسمى يذيع الوقائع مباشرة.
أما العقيد معمر القذافى، فقد ضرب الأمثلة فى إظهار قسوة القلب، والعنف مع الخصوم، كنوع من الردع لأى من يفكر أو يتمنى معارضته. يتذكر أبناء جيلى ومن سبقهم مشهد إعدام الصادق الشويهدى، أحد معارضيه المنقول عبر التلفاز عام 1984، إذ تم شنقه فى ملعب كرة قدم شهير، بحضور جمهور عظيم من الناس. بدا أن قسوة القلب التى اتسم بها الرجل انتقلت تباعا إلى كل مَن حوله، حتى أن جسد الشويهدى اهتز وارتعشت أطرافه بعد تعليقه على المشنقة، فتقدمت امرأة محبة للزعيم، هى هدى بن عامر، وأمسكت بيديها ساقى المشنوق، حتى لفظ أنفاسه.
حكى لى حكاءون حكايات عديدة حول القسوة المفرطة لكثير من الحكام العرب، ولمسئولى الحكومات العربية بعد الاستقلال عن الاستعمار فى التعامل مع خصومهم السياسيين. وكان واضحا أن مصر، الدولة المدنية القوية، والجمهورية المهيمنة، التى مثلت حالة وسطا بين الديكتاتورية والديمقراطية، كانت أرحم وأرق وأرأف حالا بالخصوم والمعارضين من جيرانها.
قال لى صديق دبلوماسى، مهتم بالتاريخ، إن حكام مصر رغم عدم رضا الكثيرين عنهم لم يمارسوا ما جرى من بشاعات الدول المجاورة فى التخلص من خصومهم. بدا واضحا أن ثمة خيطا أخلاقيا ممتدا من عصر إلى عصر يكبح جماح الخصومات السياسية فلا تصل مهما كانت إلى مرحلة الدم. لذا لم تُعتمد التصفية الجسدية للمعارضين بالخارج حتى فى ظل عهد الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر (1954-1970)، الذى يوصف بأنه العهد الأكثر استبدادا. وهكذا لم ُترسل فرق إعدام لخصم سياسى، ولم ترصد أموال لبث مشهد ترويع، ولم يمارس حاكم مهمة قتل خصم أو يشهدها أو يقترفها. وحتى فى اللحظة التاريخية الأصعب لتحول مصر من مملكة وراثية دستورية إلى جمهورية رئاسية، فقد كان أقسى عقاب للحاكم السابق هو إخراجه من البلاد، لا إعدامه.
وهذا ما يتسق مع بلد حضارى، عظيم، جميل، وشعب ومهما قيل فيه من أهله، فقد استوطنت الطيبة فى قلوب بنيه. والله أعلم.


















0 تعليق