أولياء الأمور: نسمع عنها ولم نشاهدها إلا نادراً
الأمم المتحدة: 100 مليون طفل جائع يومياً.. والوجبة المدرسية تتحول إلى خط دفاع تعليمى وإنسانى
15 مليون طالب فى مصر داخل منظومة التغذية المدرسية.. والوجبة خارج الفصول!
بين مدارس التجريبى والابتدائى.. تفاوت يثير تساؤلات حول عدالة التوزيع
حازم المنوفى: تقديمها يعنى جيلاً أكثر صحة وقدرة على التعلم والإنتاج
برلمانى سابق: المنظومة يلاحقها فساد والوجبات لا تصل للطلاب
رغم أن العام الدراسى قارب على الانتهاء، إلا أن موضوع التغذية المدرسية فرض نفسه بقوة على سطح الأحداث بعد أن صرح المتحدث الرسمى باسم وزارة التربية والتعليم شادى زلطة أن الوزارة تتكلف 6.2 مليار جنيه سنوياً بسبب الوجبات التى يتم توزيعها على الطلاب ثلاثة أيام أسبوعياً، فى الوقت نفسه أكد اولياء الأمور أن أبناءهم لم يحصلوا على هذه الوجبات منذ شهر رمضان الماضى، وهو ما أثار التساؤلات حول مصير هذه المليارات الستة، التى تخصص من ميزانية الوزارة سنويا من أجل تغذية الأطفال لضمان حصولهم على العناصر الغذائية اللازمة للنمو.
وفى الوقت الذى تؤكد فيه منظمات دولية أن وجبة مدرسية واحدة قد تغير مستقبل طفل بالكامل، تتجدد فى مصر الأسئلة حول واقع منظومة التغذية المدرسية، بين أهداف تنموية كبرى تصاغ بالأرقام، وشكاوى متكررة على أرض الواقع لا تزال تبحث عن إجابات واضحة. وبين هذا وذاك، يتقاطع الملف مع جدل برلمانى ورقابى، وتحركات رسمية لضبط منظومة تمس ملايين الطلاب يومياً داخل المدارس.
وبحسب بيانات برنامج الأغذية العالمى التابع للأمم المتحدة يستفيد نحو 466 مليون طفل حول العالم من برامج الوجبات المدرسية التى تديرها الحكومات، بينما تحصل 61 دولة على دعم مباشر عبر المساعدات الغذائية أو التحويلات النقدية. ولا يتوقف الأمر عند حدود الإغاثة الغذائية، بل يمتد إلى ما يسميه البرنامج “رأس المال البشرى"، إذ تشير التقديرات إلى أن كل دولار واحد يستثمر فى برامج التغذية المدرسية يمكن أن يحقق عوائد تصل إلى 35 دولاراً، عبر تحسين التعليم والصحة والإنتاجية المستقبلية.
لكن خلف هذه الأرقام، هناك واقع أكثر قسوة؛ إذ يعانى أكثر من 100 مليون طفل فى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل من الجوع يومياً، ويذهب كثير منهم إلى مدارسهم بمعدة فارغة، ما ينعكس مباشرة على قدرتهم على التركيز والتحصيل الدراسى.
وفى مصر تؤكد الجهات الرسمية أن برنامج التغذية المدرسية يستهدف تحسين صحة الطلاب ودعم قدرتهم على التعلم، مع التركيز على المرحلة الابتدائية باعتبارها الأكثر احتياجاً للتغذية السليمة. وتشير بيانات رسمية إلى أن نحو 15 مليون طالب يستفيدون من البرنامج، عبر وجبات تشمل عناصر غذائية بسيطة مثل اللبن والبسكويت أو الجبن والعصائر، يتم توزيعها لعدة أيام أسبوعياً، بتكلفة سنوية تقدر بنحو 413 جنيهاً للطالب، بإجمالى 6.2 مليارات جنيه لجميع الطلاب على مستوى الجمهورية.
وبينما تؤكد وزارة التربية والتعليم انتظام التوزيع ووجود رقابة صارمة على المنظومة، تتصاعد تساؤلات مجتمعية حول مدى وصول الخدمة بشكل فعلى إلى جميع الطلاب، خاصة فى المناطق الأكثر احتياجاً، وحول جودة الوجبات وتكرار توزيعها. هذه التساؤلات لم تبق فى إطار النقاش العام فقط، بل صلت إلى البرلمان، حيث طرحت طلبات إحاطة بشأن ما وصف بشبهات تتعلق بكفاءة إدارة الموارد المخصصة للتغذية المدرسية، والتى تقدر بمليارات الجنيهات سنوياً.
وفى موازاة ذلك، تتحرك الأجهزة التعليمية على مستوى المحافظات لتحديث قواعد البيانات وحصر أعداد المستفيدين بدقة، كما حدث فى بعض المديريات التعليمية التى طالبت المدارس بإرسال بيانات تفصيلية عن الطلاب المستفيدين فيها، فى محاولة لتعزيز الرقابة وضمان دقة التوزيع، بما يعكس إدراكاً رسمياً لحساسية هذا الملف واتساع نطاقه.
أين الوجبات؟
وفى هذا السياق، تواصلت «الوفد» مع عدد من أولياء الأمور فى محافظات ومناطق مختلفة، لرصد شهاداتهم حول مدى وصول التغذية المدرسية إلى الطلاب داخل المدارس، بعيداً عن البيانات الرسمية والتقارير الحكومية. وكانت الإجابات، رغم اختلاف تفاصيلها، تحمل قاسماً مشتركاً يتمثل فى غياب واضح أو محدودية شديدة فى وصول الوجبات المدرسية للطلاب.
وتحدثت “أم أحمد” أم لطفلين فى المرحلة الابتدائية، بصوت يحمل مزيجاً من الدهشة واليقين مؤكدة إنها لم ترَ يوماً وجبة مدرسية توزع داخل المدرسة بالشكل الذى يتحدث عنه فى الإعلام أو البيانات الرسمية. تتذكر فقط فترة سابقة، قبل نحو عامين، حين كان يصل إلى أطفالها «باكو بسكويت» بسيط، يختفى سريعاً داخل الحقيبة دون أى طابع من التنوع أو الانتظام. ثم تصمت لحظة، وكأنها تحاول استرجاع صورة لم تكتمل، وتضيف: «لم نكن نعرف حتى إن فى حاجة اسمها تغذية مدرسية أصلاً.. كل اللى نعرفه إننا بنبعت الأكل مع الولاد كل يوم».
فى حى آخر، فى منطقة الجيزة، تروى «أم ياسر» حكاية لا تختلف كثيراً فى ملامحها، لكنها تحمل شيئاً من الحيرة. ابنها التحق بإحدى المدارس التجريبية، ووصل الآن إلى المرحلة الإعدادية، ومع ذلك، تقول إنها لم تر طوال هذه السنوات أى توزيع منتظم لوجبات مدرسية داخل المدرسة. تستعيد فى ذاكرتها موقفاً قديماً، ليس من المدرسة، بل من حديث عابر داخل الأسرة، حين ذكر أحد الأقارب أن هناك وجبات توزع على الطلاب. تقول بابتسامة خفيفة تحمل شيئاً من التساؤل: «يمكن أنا سمعت عن الموضوع أكثر ما شفته.. يمكن هو موجود فى مدارس تانية، لكن إحنا ما شوفناهوش».
لكن الصورة تصبح أكثر تعقيداً حين تنتقل الشهادة إلى «أم نور»، التى لا تتحدث فقط عن الغياب، بل عما سمعته داخل محيطها القريب. تشير إلى صديقة لها تعمل داخل المجال التعليمى، وتروى أن بعض الوجبات المدرسية أو عبوات البسكويت قد لا تصل دائماً إلى الطلاب، وأن جزءاً منها قد يستخدم أو ينقل خارج الإطار الرسمى للتوزيع، لا تقدم «أم نور» هذه الرواية كحقيقة مؤكدة بقدر ما تطرحها كعلامة استفهام، لكنها تقول إن هذه الأحاديث تترك أثراً لدى أولياء الأمور، وتفتح الباب أمام الشكوك حول العدالة فى التوزيع داخل بعض المدارس.
وفى منزل بسيط آخر، تتحدث أم لطفلين بنبرة أكثر مباشرة، قائلة إنها فوجئت أصلاً بوجود برنامج للتغذية المدرسية. لم يسبق لها أن رأت وجبة توزع على أبنائها، ولم تتلق أى إشعار من المدرسة يوضح طبيعة هذا البرنامج أو آلية تطبيقه. بالنسبة لها، ظل الأمر أقرب إلى خبر يتداول فى الإعلام منه إلى واقع تعيشه يومياً. تقول: «يمكن هو موجود فى مدارس تانية.. لكن إحنا عمرنا ما شفناه».
ورغم اختلاف التفاصيل بين كل شهادة وأخرى، إلا أن المشترك بينها جميعاً هو شعور عام بعدم وضوح الصورة. فبين أم لم ترَ الوجبة منذ سنوات، وأخرى لم تسمع عنها إلا عرضاً، وثالثة تربطها بأحاديث متفرقة من داخل المدرسة أو خارجها، تتشكل ملامح واقع غير متجانس، يختلف من مكان إلى آخر، ومن تجربة إلى أخرى.
بناء الإنسان
وفى الخلفية، تبقى هذه الأصوات جزءاً من مشهد أكبر لا يقتصر على روايات فردية، بل يفتح نقاشاً أوسع حول كيف تدار واحدة من أكثر المنظومات ارتباطاً بحياة الطفل اليومية داخل المدرسة. فالتغذية المدرسية، التى يفترض أن تكون تجربة محسوسة فى يد الطالب وداخل حقيبته، تبدو فى بعض الحالات فكرة أقرب إلى الإعلان منها إلى الواقع الملموس.
وتعليقاً على ذلك أكد حازم المنوفى، رئيس شعبة المواد الغذائية، أن الوجبات المدرسية لم تعد مجرد دعم غذائى تقليدى، بل أصبحت أحد الأعمدة الرئيسية فى منظومة بناء الإنسان والاستثمار فى رأس المال البشرى، بما يتماشى مع توجهات الدولة نحو تعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين جودة التعليم والصحة للأطفال.
وأوضح «المنوفى» فى حديثه لـ«الوفد»، أن التجارب الدولية أثبتت أن برامج التغذية المدرسية المتكاملة تسهم بشكل مباشر فى رفع معدلات الحضور داخل المدارس، وتقليل نسب التسرب، إلى جانب تحسين قدرة الطلاب على التركيز والاستيعاب والتحصيل الدراسى، خاصة فى المناطق الأكثر احتياجاً. وأضاف أن لهذه البرامج بعداً اقتصادياً مهماً، إذ تدعم الإنتاج المحلى وتنعش سلاسل الإمداد الوطنية المرتبطة بقطاع الغذاء.
وأشار إلى أن مصر تشهد اهتماماً متزايداً بملف التغذية المدرسية باعتباره جزءاً من منظومة أوسع تستهدف بناء جيل أكثر صحة وقدرة على التعلم، بالتوازى مع المبادرات الرئاسية المعنية بالصحة العامة والحماية الاجتماعية. وشدد على ضرورة الاستمرار فى تطوير جودة الوجبات وآليات الرقابة والتوزيع، لضمان وصول خدمة غذائية آمنة ومتوازنة إلى جميع الطلاب، خاصة فى القرى والمناطق الأكثر احتياجاً.
واختتم المنوفى بالتأكيد على أن الاستثمار فى الطفل المصرى هو استثمار مباشر فى مستقبل الدولة، وأن برامج الوجبات المدرسية تمثل إحدى أهم أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية البشرية المستدامة.
إهدار للمال العام
قال اللواء مهندس هانى أباظة، وكيل لجنة التعليم السابق بمجلس النواب، إن منظومة التغذية المدرسية تواجه أزمات حادة تتعلق بغياب الرقابة وضعف وصول الوجبات إلى الطلاب داخل المدارس، معتبراً أن الوضع الحالى يستدعى إعادة تقييم شاملة للمنظومة أو وقفها مؤقتاً لتقليل الهدر فى المال العام.
وأوضح أباظة، فى حديثه لـ«الوفد»، أن التجارب السابقة كانت تشهد توزيعاً أكثر عدالة وشفافية للوجبات المدرسية، مشيراً إلى أن الوضع تغير خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، حيث لم تعد الوجبات تصل إلى عدد كبير من الطلاب بالشكل المستهدف، على حد تعبيره.
وأضاف أن جزءاً من الأزمة يرتبط بآليات التوريد والتعاقدات، مؤكداً أن هناك “هدراً كبيراً” فى الموارد المخصصة للبرنامج، وأن بعض الوجبات- بحسب وصفه- لا تصل كاملة إلى المدارس، ما يفتح الباب أمام شبهات تتعلق بسوء الإدارة أو ضعف الرقابة على سلاسل الإمداد.
وأشار وكيل لجنة التعليم السابق إلى أن حجم الإنفاق على المنظومة يصل إلى مليارات الجنيهات، لكنه لا ينعكس بشكل كاف على جودة الخدمة المقدمة للطلاب، لافتاً إلى أن استمرار هذا الوضع دون رقابة صارمة يهدد كفاءة البرنامج وأهدافه الاجتماعية.
واقترح أباظة إسناد منظومة التغذية المدرسية إلى جهة تنفيذية ذات انضباط رقابى أعلى، لضمان إحكام السيطرة على عمليات التوريد والتوزيع، مؤكداً أن الهدف الأساسى يجب أن يظل وصول الوجبات إلى الطلاب بشكل عادل وآمن، أو إعادة النظر فى استمرار البرنامج إذا تعذر ضبطه بالشكل المطلوب.
أسئلة مشروعة
بين التجربة العالمية التى ترى فى الوجبة المدرسية استثماراً طويل الأجل فى الإنسان، والواقع المحلى الذى لا يزال يواجه تحديات فى التطبيق والتقييم، يظل السؤال الأهم حاضراً: هل يمكن أن تتحول التغذية المدرسية فى مصر من مجرد برنامج دعم إلى أداة حقيقية لبناء “رأس المال البشرى" كما تقول الأمم المتحدة؟ أم أن الفجوة بين الفكرة والتنفيذ ستظل مفتوحة، فى انتظار إصلاح أعمق لا يقتصر على التمويل، بل يمتد إلى الإدارة والحوكمة والثقة العامة؟ خاصة أن هذا الملف ليس مرتبطاً بعام دراسى سينتهى خلال أيام ولكنه سيظل مرتبطاً بالأعوام الدراسية القادمة، طالما ظل بند التغذية المدرسية حاضراً فى دفاتر الوزارة.


















0 تعليق