في مشهد يجمع بين الدقة الهندسية والشعر الكوني، اجتازت مركبة الفضاء سايكي التابعة لوكالة ناسا الأمريكية بالقرب من كوكب المريخ بمسافة أقل مما تدور عليه أقماره الطبيعية، في مناورة محسوبة بدقة متناهية تهدف إلى استغلال جاذبية الكوكب الأحمر وقطف دفعة مجانية من سرعته واتجاهه، قبل أن تواصل رحلتها الطويلة نحو وجهتها الأسطورية: الكويكب المعدني 16 سايكي.
أرقام تحبس الأنفاس
وقعت أقرب نقطة اقتراب في الخامس عشر من مايو الجاري، حين اخترقت المركبة الفضاء على بعد 2800 ميل فحسب من سطح المريخ، وذلك بسرعة بلغت 12300 ميل في الساعة. للمقارنة، يدور قمر المريخ فوبوس على ارتفاع 3700 ميل، فيما يسبح القمر ديموس في مداره الأبعد على ارتفاع 12470 ميلاً. بمعنى آخر، اخترقت سايكي الحزام الضيق الفاصل بين الكوكب وأقرب أقماره إليه، في عملية تُثبت مدى الدقة التي بلغتها هندسة المسارات الفضائية.
ماذا حققت هذه المناورة؟
لم تكن هذه المرور الخاطف مجرد إنجاز مشهدي، بل كان له غرض عملي بالغ الأهمية. فالمركبة سايكي تعتمد في دفعها على نظام محركات أيونية تعمل بالزينون الغازي، وهو وقود محدود الكمية. ومن خلال ما يعرفه علماء الفضاء بـ"المساعدة الجاذبية"، تمكنت المركبة من اكتساب زخم إضافي في سرعتها وتعديل مسارها ليتوافق مع مدار الكويكب حول الشمس، كل ذلك دون إنفاق قطرة واحدة إضافية من الوقود النفيس.
وقد ظلت سايكي تقترب تدريجياً من المريخ منذ مطلع مايو، وكانت كاميراتها تلتقط صوراً متلاحقة للكوكب الذي بدا من زاوية اقترابها هلالاً ساطعاً رفيعاً، تعكس سطوحه وجسيمات الغبار المحيطة به ضوء الشمس في مشهد نادر الجمال. وستواصل المركبة إرسال هذه الصور عبر شبكة الهوائيات العملاقة لشبكة الفضاء العميق التابعة لناسا على مدى الأيام والأسابيع القادمة، وستُنشر على الموقع الرسمي للمهمة.
رحلة ست سنوات نحو سر قديم
انطلقت سايكي في رحلتها الاستكشافية في أواخر عام 2023، حاملة على عاتقها مهمة علمية طموحة تمتد لست سنوات عبر مسافة خيالية تبلغ 2.2 مليار ميل. ومن المرتقب أن تصل إلى وجهتها النهائية في يوليو 2029، لتشرع في الشهر التالي مباشرة في تنفيذ مهامها العلمية التي ستستغرق عامين كاملين تدور خلالهما حول الكويكب، تلتقط صوره، ترسم خرائط سطحه، وتحلل تركيبه الجيولوجي والمعدني.
ما الذي يجعل هذا الكويكب استثنائياً؟
يحتل الكويكب 16 سايكي مكانة فريدة في عالم الفلك، إذ يُصنَّف باعتباره أكبر كويكب معدني معروف في المجموعة الشمسية. ويرجح العلماء أنه قد يكون شظية من نواة حديدية لكوكب بدائي صغير تكوّن في فجر نشأة المجموعة الشمسية، قبل أن يتعرض لتصادمات عنيفة أسقطت طبقاته الخارجية وكشفت عن قلبه المعدني المصهور.
وهنا تكمن أهمية المهمة التي تتجاوز حدود الفضول العلمي المجرد. فالبشرية لا تملك أي وسيلة للنفاذ إلى باطن كوكب الأرض للاطلاع على تفاصيل نواتها الحديدية، وهو ما عبرت عنه ناسا ببلاغة قائلة: "لا يمكننا حفر طريق نحو نواة الأرض المعدنية، أو نوى الكواكب الصخرية الأخرى، لذا فإن زيارة سايكي قد تمنحنا نافذة لا مثيل لها على التاريخ العنيف من التصادمات وتراكم المادة الذي أفضى إلى نشوء كواكب ككوكبنا."
في نهاية المطاف، ما يفعله سايكي الآن ليس مجرد عبور بالقرب من المريخ، بل هو خطوة في رحلة البشرية لفهم نشأتها الكونية الأولى، حين كانت المجموعة الشمسية لا تزال في طور التشكّل وسط فوضى التصادمات والجاذبيات.


















0 تعليق