من «معبد السماء»

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 أمريكا تدفع الصين لإعادة إيران للمفاوضات

 

فى لحظة فارقة تعكس مدى تعقيدات التوازنات الدولية الراهنة، عقد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ونظيره الصينى شى جين بينج قمة رفيعة المستوى فى بكين، حملت رسائل متداخلة بين التهدئة والتنافس، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بإيران وتايوان.

ووصف البيت الأبيض اللقاء بـ«المثمر»، مشيرًا إلى أن الزعيمين توصلا إلى تفاهمات بشأن عدد من الملفات الحساسة، فى مقدمتها الاتفاق على عدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووى، إلى جانب التأكيد على ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة فى مضيق هرمز ورفض تحويله إلى ساحة مواجهة عسكرية، فى ظل المخاوف الدولية من اضطراب إمدادات الطاقة العالمية.

ورغم مؤشرات التقارب التى أحاطت بالقمة، فإن الملف التايوانى فرض نفسه باعتباره القضية الأكثر حساسية فى العلاقات الأمريكية - الصينية، خاصة مع إعلان وزارة الدفاع الأمريكية، بالتزامن مع زيارة ترامب إلى الصين، عن صفقة دعم عسكرى جديدة لتايوان تشمل أنظمة قيادة وسيطرة وأمنًا سيبرانيًا وخدمات تقنية بحرية.

ودخل «ترامب» المفاوضات مع شى تحت الضغط الخارجى والداخلى حيث حدت المحاكم الأمريكية من قدرته على فرض رسوم جمركية كما يشاء على الصادرات من الصين ودول أخرى، فيما أدت الحرب مع إيران إلى زيادة التضخم فى الداخل وتصاعد احتمال خسارة الحزب الجمهورى السيطرة على أحد مجلسى الكونجرس أو كليهما فى انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر المقبل.

وزار الرئيسان الأمريكى والصينى «معبد السماء» التاريخى فى بكين المدرج على قائمة التراث العالمى وقال ترامب للصحفيين: «الصين جميلة».

وقال «على واين» كبير مستشارى العلاقات الأمريكية الصينية فى مجموعة الأزمات الدولية، إن آليات القوة تغيرت منذ زيارة ترامب الأخيرة إلى بكين، عندما بذلت الصين قصارى جهدها لاستمالته وشراء سلع أمريكية بمليارات الدولارات.

وأضاف واين: «فى ذلك الوقت، كانت الصين تحاول إقناع الولايات المتحدة بمكانتها المتنامية… أما هذه المرة، فإن الولايات المتحدة هى التى تعترف بهذه المكانة من تلقاء نفسها وبمحض إرادتها».

وصرح توم واريك نائب مساعد وزير الأمن الوطنى الأمريكى السابق، بأن الصين قد تلعب دورًا محوريًا فى دفع طهران نحو العودة إلى المفاوضات النووية، بما يسهم فى تهدئة التوترات وإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة، وذلك بحسب تقرير لصحيفة «الجارديان».

وأشار إلى أن ترامب وشى توصلا خلال اجتماعهما إلى تفاهمات مهمة بشأن عدد من القضايا الدولية، أبرزها الاتفاق على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووى، إضافة إلى التأكيد المشترك على أهمية إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام الملاحة الدولية، فى ظل المخاوف المتزايدة من تداعيات الحرب المرتبطة بالملف الإيرانى على الاقتصاد العالمى وأسواق الطاقة.

وأوضح واريك أن نجاح بكين فى هذا المسار سيمثل مكسبًا استراتيجيًا للطرفين، إذ تستفيد واشنطن من احتواء التصعيد، بينما تضمن الصين استمرار تدفق إمدادات النفط التى تعتمد عليها بشكل كبير.

كما أشار إلى أن إدارة ترامب تسعى من خلال القمة إلى تحقيق توازن دقيق بين احتواء الصين اقتصاديًا وعسكريًا، والحفاظ فى الوقت نفسه على قنوات تفاهم تمنع انزلاق العلاقات الثنائية نحو مواجهة مفتوحة قد تهدد الاستقرار العالمي.

كما كشفت وزارة الدفاع الأمريكية عن عقد عسكرى بقيمة أولية تبلغ 12.4 مليون دولار يهدف إلى دعم القدرات الدفاعية لتايوان، ويتضمن أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات وأجهزة الحوسبة وخدمات المؤسسات إلى جانب تقنيات متقدمة فى مجال الأمن السيبرانى، ضمن إطار التعاون الأمنى المستمر بين واشنطن وتايبيه.

وأوضحت أن العقد أُسند إلى شركة متخصصة فى الأنظمة التقنية والدفاعية البحرية، وتسهم تقنياتها فى تعزيز أمن الممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية ورفع كفاءة العمليات العسكرية والاستخباراتية فى البيئات البحرية والجوية.

كما حظى الملف التايوانى باهتمام بالغ فى محادثات الزعيمين، باعتباره القضية الأكثر حساسية فى العلاقات الأمريكية الصينية، فبكين تعتبر الجزيرة جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، وتعتبرها «خطًا أحمر» غير قابل للمساومة، وتؤكد تمسكها بمبدأ «إعادة التوحيد»، مع إبقاء خيار القوة العسكرية مطروحًا لتحقيق هذا الهدف إذا اقتضت الضرورة.

فى المقابل، تواصل واشنطن تقديم الدعم العسكرى والسياسى لتايوان بموجب «قانون العلاقات مع تايوان»، الذى يتيح للولايات المتحدة تزويد الجزيرة بالقدرات الدفاعية اللازمة لمواجهة أى تهديدات محتملة، دون أن يلزمها رسميًا بالتدخل العسكرى المباشر للدفاع عنها، كما تعزز شراكتها الدفاعية مع الجزيرة فى إطار استراتيجيتها الأوسع لاحتواء النفوذ الصينى فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ.

وعلى جانب آخر، من المرجح أن تنظر الصين إلى الخطوة الأمريكية باعتبارها استفزازًا سياسيًا وأمنيًا، خصوصًا فى ظل التحذيرات المتكررة الصادرة عن بكين ضد أى تعاون عسكرى أو سياسى خارجى مع تايوان.

ويأتى هذا التصعيد فى وقت تشهد فيه منطقة آسيا والمحيط الهادئ تنافسًا متزايدًا بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ العسكرى والتكنولوجى والاقتصادى، حيث تحولت تايوان إلى نقطة ارتكاز رئيسية فى هذا الصراع، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافى الاستراتيجى.

كما فرضت الأزمة الإيرانية نفسها بقوة على أجندة اللقاء، خاصة مع التداعيات المباشرة للحرب على أسواق النفط وحركة الملاحة الدولية.

وفى مؤشر على محاولة توسيع نطاق التفاهمات الاستراتيجية، كشفت تقارير أمريكية عن أن ترامب يعتزم طرح مبادرة لاتفاق نووى ثلاثى يضم الولايات المتحدة والصين وروسيا، بهدف إعادة صياغة منظومة الحد من التسلح النووى، بعد انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» بين واشنطن وموسكو.

ورغم الأجواء الإيجابية التى حرص الجانبان على إظهارها، فإن المؤشرات القادمة من بكين وواشنطن تعكس استمرار فجوة عميقة فى ملفات النفوذ العسكرى والتكنولوجيا ومستقبل تايوان، ما يجعل أى انفراجة فى العلاقات بين القوتين مرهونة بقدرة الطرفين على إدارة صراع المصالح دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

وفى ظل هذه المعادلة المعقدة، تبدو قمة بكين أقرب إلى محاولة لاحتواء التوترات وإعادة تنظيم قواعد التنافس بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين فى العالم، أكثر من كونها نقطة تحول حاسمة فى مسار العلاقات الأمريكية - الصينية، وبينما يحاول الجانبان إبقاء الخلافات تحت السيطرة عبر الحوار الدبلوماسى، فإن استمرار الدعم العسكرى الأمريكى لتايوان يعكس حجم التعقيد بين واشنطن وبكين، ويؤكد أن المنافسة الاستراتيجية بينهما باتت تتجاوز حدود التجارة والاقتصاد لتشمل إعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ فى النظام الدولى.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق