من المقرر شرعًا أنَّ أداء فريضة الحج مُقدَّم على زواج الابن إذا كانت هذه هي الـمَرَّة الأُولَى التي يقوم فيها الأب بأداء مناسك الحج، أي أنها حَجَّة الإسلام، فكان الأَولَى بالأداء شرعًا، فإن كان الابن لا يطيق الانتظار وخِيفَ عليه الوقوع في الحرام قُدِّم الزواج على الحج بشرط العزم على الخروج لأداء الحج بعد ذلك متى تيسَّر إلى ذلك سبيلًا، وأَمَّا العمرة فهي سُنَّة؛ فيجوز المفاضلة بينها وبين زواج الابن أيُّهما أَوْلَى على حسب الحال.
حث الشرع الشريف على الزواج
والزواج سُنَّة نبوية، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: "جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري.
والزواج يحصل للمسلم خير الدنيا والدِّين، وبه تتحقق المودة والرحمة، وبه تَسكُن الشهوة ويصلح الجسد، ويُغض البصر، ويُحفظ الفرج، ويكثر النسل، وتُحفظ الأعراض، وتُصان العورات والأنساب، وفيه الاستنان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبسببه تكون عمارة الأرض، وغيرها من الأمور الأساسية التي لا تتحقق إلا به؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري.
حكم رعاية الآباء لأبنائهم
مِن المعلوم شرعًا وجوب رعاية الآباء للأبناء وتنشئتهم منذ الصِّغَر تنشئة إسلامية راقية، بتعليمهم الفرائض، وصحيح الدين، وتربيتهم على مكارم الأخلاق، وحسن المعاملة، والجود، والكرم، ومساعدة الآخرين، والعطف على الفقراء والمساكين، واحترام الجار، والمعايشة الحسنة بين جميع أفراد المجتمع الواحد، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُمْ...» رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم.
وجوب نفقة الأبناء على الأب
من كمال رعاية الأبناء الواجبة على الآباء القيام بنفقتهم، وذلك على حسب العرف السائد وعلى ما يقتضيه الحال من إنفاق مثله على أمثالهم، لذا أجمع العلماء على وجوب نفقة الأطفال الصغار الذين لا مال لهم على الأب، فالابن بَعضُ أبيه، فتلزمه نفقته كما تلزمه نفقة نفسه.
كذلك تجب النفقة على الأب لأبنائه الكبار لمن كان منهم مريضًا زَمِنًا يمنعه مرضه مِن القدرة على التَّكسُّب، أو الـمُعْسِر الذي لا مال له على الأب، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233].
وبحديث أُمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: إنَّ هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم"، فقال: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري.
هل تجب نفقة تزويج الأبناء على الأب
اختلف الفقهاء في دخول نفقة تزويج الأبناء في هذه النفقة بالمعنى السابق، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في روايةٍ إلى عدم وجوب نفقة تزويج الأبناء على الأب.
بينما ذهب الحنابلة في الصحيح مِن المذهب -وهو من مفردات المذهب عندهم- إلى وجوب إعفاف الابن إذا احتاج للنكاح بشرط أن يكون ممن تلزم الأبَ نفقتُه، وكان غير قادر على تَحمُّل تلك النفقات لعدم قدرته على الكسب، أو لقدرته لكنه لا يقع موقعًا مِن كفايته.


















0 تعليق