حكم الشرع في تقسيم الأضحية المنذورة أثلاثًا

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من المقرر شرعًا أن تقسيم الأضحية المنذورة غير المعيَّنة لجهةٍ محددةٍ -كالفقراء والمساكين أو غيرهم- أثلاثًا كشأن المستحب في الأضحية المعهودة، بأن يدَّخَر المضحي ثُلُثَها، ويهدي ثُلُثَها، ويتصدق بثُلُثها -هو تصرفٌ صحيحٌ وجائزٌ شرعًا، ولا إثم في ذلك ولا حرج.

فضل الأضحية في الشريعة الإسلامية

والأضحية شعيرةٌ مِن شعائر الدِّين، ومَعْلَمٌ مِن معالِمِه الثابتة، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: 36]، وعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا، وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» أخرجه الأئمة: الترمذي -واللفظ له- وابن ماجه والبيهقي في "السنن". وفي رواية: «وَأَنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أخرجها الحاكم في "المستدرك" وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وقد فَعَلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعن أنس رضي الله عنه قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» متفقٌ عليه.

وجوب الأضحية بالنذر وحكم الوفاء به

تعد الأضحية سُنَّةٌ مؤكدة للموسِر القادر عليها على المختار للفتوى، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة؛ لقول الله تعالى في مُحكَم التنزيل: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، وقوله تعالى في بيان صفات الأبرار: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإِنسان: 7].

وعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» أخرجه الإمام البخاري.

وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ» متفقٌ عليه.

وقد اتفق الفقهاء على وجوب الوفاء بنذر الطاعة عند الاستطاعة والقُدرة.

بيان المستحب في تقسيم الأضحية

مِن الأمور المستحبة في حق الأضحية المعهودة إذا لم تكن منذورةً أن تقسَّم إلى ثلاثةِ أثلاثٍ: بحيث يأكل المضحي ثلثَها، ويهدي ثلثَها لأقاربه وأصحابه، ويتصدق بثلثِها للفقراء والمساكين؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: 36].

والقول باستحباب تقسيم الأضحية المعهودة أثلاثًا هو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية في أحد القولين -وهو ما نص عليه الإمامُ البُوَيْطِي، وصحَّحه الإمامُ النَّوَوِي في "تصحيح التنبيه"-، والحنابلة، وأطلَق المالكيةُ القول في الاستحباب بأن يجمع المضحي في تقسيم الأضحية بين الأكل والصدقة والإعطاء بدون تقيُّدٍ في ذلك بثُلثٍ أو بغيره.  

تقسيم الأضحية المنذورة وأراء السادة الفقهاء في ذلك

أمَّا إذا كانت الأضحيةُ منذورةً فيُفرَّقُ بين حالتين:

الحالة الأولى: إذا كان الناذرُ قد حدد في نذرها كيفيةَ تقسيمها، ووجه التصرف فيها، كأن نذرها للفقراء والمساكين ونحو ذلك -فإنه يتعيَّن عليه صرفُها إلى الجهة التي حددها، وبالكيفية التي قررها في نذره؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» متفق عليه من حديث أمير المؤمنين عُمر بن الخطاب رضي الله عنه، والمقاصد والنيات أمرٌ معتبرٌ في التصرفات من العبادات والعادات.

 

الحالة الثانية: إذا لم يكن للناذر نيةٌ معيَّنةٌ في إخراج الأضحية المنذورة، وإنما كان قد نذرها نذرًا مُطلَقًا مِن غير تقيدٍ بجهة معينة كالفقراء والمساكين أو تعليق على شَرطِ حصول شيءٍ أو عدم حصوله، وفي هذه الحالة تفصيل:

فذهب الحنفية إلى أن الأضحية المنذورة تأخذ أحكام النذر، فيتصدق الناذر بجميعها للفقراء والمساكين، ولا يَحِلُّ له أن يأكل منها شيئًا، ولا أن يُطعم منها الأغنياء؛ لأنَّ سبيل هذا الدَّم هو التصدق، وليس للمتصدق أن يأكل شيئًا من صدقته أو يُهدي منها، إلا أن يقصد الناذرُ بنذره الإخبارَ عن الأضحية الواجبة عليه ابتداءً بإيجاب الشرع قبل النذر، فإنه يجوز له أن حينئذٍ أن يأكل منها، وكذلك يجوز له أن يُهدي منها ويُطعم الأغنياء ويفعل بها ما يفعل بالأضحية غير المنذورة؛ وإنما كان له ذلك كلُّه لأنه قصد الإخبارَ عما هو ملزَمٌ به وجوبًا بأصل الشرع -إذ الأضحية عندهم واجبة مع تحقق يسار المضحي كما بَيَّنَّا-، لا الإنشاءَ بإلزام نفسه بأضحيةٍ غير الأضحية التي أَلزمه بها الشرعُ وأَوجَبَها عليه، فصار النذر حينئذٍ إظهارًا لما هو واجب عليه بأصل الشرع ابتداءً، كمَن نذر أن يصلي الصلاة المفروضة فإن نذره هذا إخبار عن وجوبها عليه بأصل الشرع لا إيجابٌ منه لها.

وأما المالكية فقد أجازوا للناذر الأكل من الأضحية المنذورة التي لم يُعيِّنها الناذرُ للفقراء والمساكين، فإن عيَّنها لهم فلا يجوز له الأكل منها.

وأمَّا الشافعية فالمقرر في مذهبهم أن الأضحية تصير واجبة بالنذر والتعيين، فتخرج جميعها للفقراء والمساكين، ولا يجوز الأكل منها؛ حيث منعوا في الجملة أكلَ الإنسان مِن كلِّ ما وجب عليه، وإن اختلفوا في بعض الحالات، إلا أنهم نصوا على عدم جواز أكل الناذر مِن نذر المجازاة، وهو ما علَّقه الناذر على حصول شيءٍ أو عدم حصوله، كنحو تعليقِهِ التزام الأضحية بشفاء مريضٍ ونحوه.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق