الإثنين 11/مايو/2026 - 01:47 م 5/11/2026 1:47:37 PM
لم تكن مشاهد الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون وهو يتريض فى شوارع الإسكندرية أو يتجول من قبل فى خان الخليلي برفقة الرئيس عبد الفتاح السيسي مجرد لقطات بروتوكولية عابرة، بل كانت رسائل سياسية وسياحية وثقافية بالغة الأهمية، تحمل فى تفاصيلها صورة حقيقية عن مصر الحديثة، وعن حالة الأمن والاستقرار التى تعيشها الدولة المصرية.
فالفرنسيون، منذ عقود طويلة، لديهم شغف خاص بالحضارة المصرية القديمة، وعشق لكل ما يحمل عبق التاريخ؛ من الشوارع القديمة، والأزقة، والحارات الشعبية، إلى المبانى التراثية التى تحكى قصة وطن صنع الحضارة قبل آلاف السنين. وربما لهذا السبب تبدو زيارات ماكرون إلى مصر مختلفة، فهو لا يكتفى بالاجتماعات الرسمية، بل يحرص دائما على الاقتراب من روح المكان، والاندماج مع تفاصيل الحياة المصرية.
مشهد رئيس دولة بحجم فرنسا يسير أو يجرى فى شوارع مصر المفتوحة، وسط الناس، دون خوف أو قلق، يحمل رسالة مباشرة للعالم بأن مصر دولة آمنة ومستقرة. والأجمل من ذلك أن جولة خان الخليلى لم تشهد إغلاقا للمحال التجارية أو إخلاءً للشوارع، بل سار الرئيسان وسط الزحام الطبيعى، بين المواطنين وأصحاب المحال، فى صورة تعكس الثقة والأمان، وتؤكد أن الشارع المصرى يعيش حالة من الاستقرار الحقيقى.
مثل هذه المشاهد تمثل دعاية مجانية هائلة للسياحة المصرية، ربما تفوق فى تأثيرها عشرات الحملات الإعلانية. فحين يشاهد العالم رئيس فرنسا يتجول بحرية فى شوارع القاهرة والإسكندرية، ويستمتع بالأماكن التاريخية والشعبية، فإن ذلك يمنح السائح الأجنبى شعورا بالطمأنينة والرغبة فى زيارة مصر واكتشاف كنوزها الحضارية.
وهنا لابد أن نتوقف طويلًا أمام الجملة التى قالها الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون عن الإسكندرية، حين وصفها بأنها «جنة البحر المتوسط» التى أنجبت عمر الشريف ويوسف شاهين، فهذه الكلمات لم تكن مجرد مجاملة دبلوماسية عابرة، بل اعتراف واضح بقيمة الفن المصرى وتأثيره العابر للحدود والأجيال.
فعندما يستدعى رئيس دولة أوروبية كبرى أسماء رموز الفن المصرى فى حديثه، فهذا يعنى أن القوة الناعمة المصرية مازالت حاضرة فى الوجدان العالمى، وأن الفن المصرى لم يكن يومًا مجرد وسيلة للترفيه، بل كان سفيرًا حقيقيًا لمصر، حمل صورتها وثقافتها وإنسانها إلى العالم كله.
لقد أدرك ماكرون أن الإسكندرية ليست فقط مدينة بحر وتاريخ، لكنها مدينة أنجبت فناً صنع الخلود، ووجوهاً استطاعت أن تصل إلى العالمية دون أن تتخلى عن هويتها المصرية. وهنا تتجلى الحقيقة الأهم: أن مصر تملك من القوة الناعمة ما يجعلها قادرة دائمًا على التأثير، لأن الفن المصرى كان ومازال لغة يفهمها العالم كله، ورسالة حضارية لا تحتاج إلى ترجمة.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يتعامل مع زيارات الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون بمنتهى الوعى بقيمة القوة الناعمة والسياحة الثقافية، فهو يدرك جيدًا شغف الفرنسيين بالحضارة المصرية، وولعهم بكل ما يحمل روح التاريخ وعبق الماضى، لذلك يحرص فى كل زيارة على أن يصطحب ضيفه إلى أماكن شعبية وتاريخية تعكس الوجه الحقيقى لمصر.
فمنذ عدة أشهر تجول الرئيسان فى قلب القاهرة الإسلامية داخل أزقة خان الخليلي، وسط الناس والحياة الشعبية المصرية بكل تفاصيلها، وفى الزيارة الأخيرة اصطحبه إلى منطقة بحرى وقلعة قايتباي فى الإسكندرية، حيث يمتزج البحر بالتاريخ، وتتحول المدينة إلى لوحة مفتوحة على ذاكرة الحضارة.
وهذه الجولات ليست مجرد تحركات بروتوكولية، بل رسائل مدروسة بعناية، تؤكد أن مصر ليست فقط دولة تمتلك آثارًا عظيمة، لكنها بلد يعيش فيه التاريخ وسط الناس وفى الشوارع والأسواق والمقاهى القديمة. كما أن اصطحاب رئيس دولة بحجم فرنسا إلى هذه المناطق الشعبية يمثل فى حد ذاته دعاية عالمية هائلة للسياحة المصرية، لأن الصورة هنا تصبح أكثر صدقًا وتأثيرًا من أى حملة إعلانية، فالعالم يشاهد رئيس فرنسا يسير مطمئنًا بين الناس، مستمتعًا بجمال المكان وروحه، وكأن مصر تقول للجميع: هنا الحضارة، وهنا الأمن، وهنا الحياة.
فى كل زيارة يقوم بها ماكرون إلى مصر، تتجدد الرسالة ذاتها: لا توجد حضارة تشبه الحضارة المصرية، ولا يوجد شعب يمتلك هذا المزيج الفريد من التاريخ والدفء الإنسانى والحياة. كما أن هذه الزيارات تؤكد أيضا قيمة الأمن الذى تعيشه مصر فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى، وهو الأمن الذى أصبح أحد أهم عناصر القوة الناعمة المصرية فى مواجهة حملات التشكيك ومحاولات التشويه.
إن مصر لا تحتاج فقط إلى الترويج لمعابدها وآثارها، بل تحتاج أيضا إلى تصدير صورة الإنسان المصرى، والشارع المصرى، والحياة اليومية التى تجمع بين التاريخ والأمان والبساطة. وربما كانت جولات ماكرون فى شوارع مصر واحدة من أهم الرسائل التى وصلت إلى العالم دون كلمات كثيرة، لكنها قالت كل شىء.

















0 تعليق