الإثنين 11/مايو/2026 - 11:30 ص 5/11/2026 11:30:40 AM
تستفزني كمية الفيديوهات المنتشرة عبر صفحات مواقع التواصل و"تيك توك" لمن يعطف على أطفال الشوارع أو السيدات المتسولات أو بائعات المناديل في إشارات المرور؛ فما أكثر الأيدي التي تمتد بالعطاء، غير أن القليل منها هي التي تمنح في صمت.
في هذه الأيام صار كل شيء قابلًا للتصوير، حتى فعل الخير نفسه لم يسلم من سطوة الكاميرا، فتحوّل عند البعض من فضيلة إنسانية خالصة إلى مشهد استعراضي يُقتنص بعناية، وتُنتج له الموسيقى، وتُكتب له العناوين المثيرة، ثم يُلقى به إلى فضاء "الترند" ليحصد المشاهدات والإعجابات.
مشاهد مؤثرة متكررة تملأ صفحات التواصل، منها لطفل مُشرد في الشارع يُفاجأ بورقة نقدية بقيمة كبيرة أمام كاميرا الهاتف، ومسنّة تبكي وهي تتلقى المساعدة، وبائع بسيط تُوثَّق دهشته لحظة منحه العطاء.
المؤلم في هذه الظاهرة أن بعض الناس باتوا يصفقون لهذه المشاهد باعتبارها رحمة وتكافل وإنسانية، بينما هي في جوهرها، في كثير من الأحيان، امتهان لكرامة المحتاج، وفضح لمعاناته، وتحويل فقره إلى مادة بصرية استهلاكية.
الخير الحقيقي لا يحتاج إلى شهود عيان، ولا يستدعي وجود كاميرات تُلاحق دموع المحتاجين لتثبت أن صاحبها رحيم وفاعل خير.
العطاء الذي يُشترط له التصوير يفقد كثيرًا من نقائه، لأن اليد التي تعطي بصدق لا تنشغل غالبًا بزاوية التصوير، بل بأثر ما تقدمه.
لقد أصبح بعض صناع المحتوى يتعاملون مع الفقراء باعتبارهم "أدوات لإنتاج التأثير"، لا بشرًا لهم خصوصية وكرامة. فالمحتاج في تلك المقاطع ليس إنسانًا يُعان، بل مشهدًا دراميًّا يُستثمر؛ تُقتنص دموعه، وتُستغل دهشته، وتُعرض هشاشته وضعفه أمام الملايين ليصعد آخرون على أكتافه.
الأخطر أن هذه الظاهرة تعيد تعريف العمل الخيري في وعي الأجيال الجديدة، فتربط بين الإحسان والظهور، وبين المساعدة والتوثيق، حتى يكاد البعض يظن أن الصدقة لا تكتمل إلا إذا تم تصويرها، وأن فعل الخير لا قيمة له إن لم يتحول إلى محتوى يتداوله الناس.
ولكي نواجه هذا الانحدار الأخلاقي، علينا إعادة الاعتبار لمعنى الكرامة الإنسانية، وترسيخ أن الفقر ليس مبررًا لانتهاك الخصوصية أو عرض الضعف على الملأ.
كما يجب نشر وعي مجتمعي يفرّق بين التوثيق النزيه للعمل الخيري المؤسسي، وبين الاستغلال الفجّ للمحتاجين من أجل صناعة المحتوى، وتشجيع الناس على دعم المؤسسات والجمعيات الجادة التي تحفظ للمستفيدين خصوصيتهم، وتمنحهم حقهم دون استعراض.
ويجب كذلك مقاطعة هذا النوع من المحتوى، لأن كل مشاهدة تمنحه شرعية، وكل تفاعل يشجّع على تكراره.
وعلينا الاعتبار والاقتداء برسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قال في جزء من حديثه الشريف عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".
أرى أن كل من صوّر مساعدته ليس مرائيًا، لكن المؤكد أن كرامة الإنسان يجب أن تبقى أعلى من أي نية حسنة أو مزعومة.
فالمحتاج لا يريد أن يتحول ألمه إلى مشهد مؤثر في فيديو مدته دقيقة أو دقيقتان، ولا أن يصبح فقره وعوزه وسيلة لتلميع صورة أحد، إنما يريد عونًا يحفظ ماء وجهه، ويدًا تمتد إليه دون أن تجرّده من حقه في الستر.
فامنحوا في صمت ولكم الأجر والثواب.

















0 تعليق