حكاية مسجد تاريخي في مدينة الشهداء.. ماذا تعرف عن سيدي شبل الأسود؟

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في قلب مدينة الشهداء بمحافظة المنوفية، يقف جامع سيدي شبل الأسود شاهدًا على صفحات طويلة من التاريخ الشعبي والإسلامي، حيث يمتزج التراث المعماري بالحكايات والروايات المتوارثة عبر القرون. 

ويُعد المسجد واحدًا من أبرز المعالم الدينية والأثرية في دلتا مصر، ليس فقط بسبب مكانته الروحية لدى الأهالي، ولكن أيضًا لما يحمله من طابع معماري مميز وتاريخ يثير الكثير من الجدل والأسئلة حول صاحبه الحقيقي وتفاصيل نشأته الأولى.

وعلى مدار عقود طويلة، ظل جامع سيدي شبل الأسود مقصدًا للزائرين والمحبين لآثار آل البيت والأضرحة التاريخية، خاصة أنه أُقيم على ضريح يُنسب إلى محمد بن الفضل بن العباس بن عبد المطلب، الذي اشتهر بلقب “شبل” لشجاعته، رغم اختلاف المؤرخين حول صحة هذه الرواية.

 وبين الروايات الشعبية والحقائق التاريخية، بقي المسجد محتفظًا بمكانته الخاصة كأحد أبرز المساجد ذات الطابع التراثي في محافظة المنوفية.

مسجد بُني على ضريح تاريخي

يقع جامع سيدي شبل الأسود بمدينة الشهداء، ويُعتقد أنه بُني فوق ضريح محمد بن الفضل بن العباس بن عبد المطلب، ابن عم الرسول ﷺ، بحسب ما ورد في بعض الروايات التاريخية والشعبية.

وذكر المؤرخ علي مبارك، وفق ما نقلته الدكتورة سعاد ماهر في كتاب “مساجد مصر وأولياؤها الصالحون”، أن المسجد أُقيم على هذا الضريح، وأن “شبل” لُقب بهذا الاسم لشجاعته وقوته.

لكن كتب الأنساب والتاريخ أثارت جدلًا واسعًا حول هذه الرواية، إذ تشير أغلب المصادر إلى أن الفضل بن العباس لم يكن له أبناء ذكور، وإنما عُرف بأن له ابنة تُدعى أم كلثوم، وهو ما جعل قصة محمد شبل محل نقاش بين الباحثين والمؤرخين.

روايات متعددة حول سيدي شبل

تقول إحدى الروايات إن محمد شبل وُلد في الحبشة، حيث كان والده يتاجر هناك بأموال العرب، بينما تشير رواية أخرى إلى أنه جاء إلى مصر على رأس جيش لمحاربة الكفار، واستُشهد في المنوفية عام 40 هـ، ومن هنا جاءت تسمية مدينة “الشهداء”.

إلا أن بعض المؤرخين استبعدوا هذه الرواية، معتبرين أن عمره وقت فتح مصر لم يكن يسمح له بالمشاركة في القتال، ورجحوا أنه حضر إلى مصر لاحقًا خلال الصراعات التي دارت بين أنصار عبدالله بن الزبير وجنود مروان بن الحكم في القرن الأول الهجري.

ويرى باحثون أن المنطقة ربما ضمت مقابر لشهداء من آل البيت أو من المشاركين في تلك المعارك، ثم أُقيمت عليها أضرحة ومساجد توالت عليها عمليات الترميم والتجديد عبر العصور المختلفة.

طراز معماري يحمل بصمات الماضي

يتميز المسجد القديم بطابع معماري إسلامي بسيط، إذ يتكون من صحن مكشوف تحيط به بقايا أروقة قائمة على دعائم من الآجر، بينما توجد إلى الجهة الغربية مجموعة من الأضرحة التي اندثرت معظم قبابها، ولم يتبق منها سوى قبة واحدة ما زالت تحتفظ بملامحها القديمة.

وتقوم القبة على غرفة مربعة، يتوسط أركانها الأربعة مقرنصات كبيرة تحمل رقبة مثمنة بها فتحات صغيرة للإضاءة تعلوها القبة الرئيسية، وهو طراز معماري يشبه إلى حد بعيد قباب مدافن أسوان التاريخية.

كما تشير الدراسات إلى أن بعض بقايا القباب والأجزاء القديمة ترجع إلى العصر الفاطمي، ما يعكس القيمة الأثرية الكبيرة للمكان.

المسجد الحالي.. تجديد بروح العصر

أما المسجد القائم حاليًا فقد أعادت وزارة الأوقاف بناءه خلال القرن العشرين، مع الحفاظ على الطابع الروحي والتاريخي للمكان.

ويتكون المسجد من قسمين رئيسيين؛ الأول يضم صحن الجامع المكشوف المحاط بالأروقة، بينما يضم القسم الثاني إيوان القبلة الذي يحتوي على صفوف من الأعمدة المتوازية مع حائط القبلة، ويعلوه سقف مسطح تتوسطه رقبة مثمنة تشبه “الشخشيخة” تسمح بدخول الضوء والتهوية.

ويقع ضريح سيدي شبل الأسود داخل الضلع الغربي من إيوان القبلة، في حين تتكون واجهة المسجد من مدخلين رئيسيين، أحدهما يؤدي إلى الصحن والآخر إلى إيوان القبلة، ويتقدم الواجهة سور مزخرف وسلالم مرتفعة تعكس الطراز التقليدي للمساجد القديمة.

معلم ديني وتراثي في المنوفية

ورغم اختلاف الروايات التاريخية حول شخصية سيدي شبل الأسود، يبقى المسجد واحدًا من أبرز المزارات الدينية والتراثية في محافظة المنوفية، حيث يجمع بين القيمة الأثرية والرمزية الشعبية، ويعكس جانبًا من تاريخ العمارة الإسلامية في دلتا مصر، فضلًا عن ارتباطه بالوجدان الشعبي لأهالي مدينة الشهداء وزائريها من مختلف المحافظات.

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق