من بين أكثر التحولات خطورة التي كشفتها حرب غزة، ذلك التصدع العميق في صورة إسرائيل داخل أهم حلفائها، الولايات المتحدة الأمريكية، فإسرائيل التي طالما اعتمدت على سردية الضحية المحاصرة وجدت نفسها، للمرة الأولى منذ عقود، في مواجهة غضب شعبي وأخلاقي متصاعد داخل الجامعات الأمريكية والشوارع ووسائل الإعلام البديلة، بعدما تحولت مشاهد الدمار والإبادة في غزة إلى دليل يومي يهز الوعي العالمي ويعيد تشكيل الرواية بالكامل.
من التعاطف إلى الاتهام.. جيل أمريكي جديد يواجه الرواية الإسرائيلية
الاحتجاجات الواسعة التي قادها طلاب الجامعات الأمريكية ليست مجرد موجة تعاطف عابرة مع الفلسطينيين، ولكن من الممكن اعتبارها انهيار تدريجي لهيمنة الرواية الإسرائيلية التقليدية على وعي الأجيال الجديدة، وتعكس أدراك قطاع واسع من الشباب الأمريكي أن ما يحدث في غزة يتجاوز حدود الدفاع عن النفس، ليكشف عن واقع احتلال طويل، وقوة عسكرية تستخدم تفوقها الهائل ضد شعب أعزل يعيش تحت الحصار والقصف المستمر.
مليارات السلاح لا تشتري الشرعية
ورغم أن الولايات المتحدة وافقت على تقديم 38 مليار دولار كمساعدات عسكرية لإسرائيل بين عامي 2018 و2028، فإن المفارقة الكبرى أن هذا الدعم الهائل لم يعد قادرًا على حماية صورة إسرائيل أخلاقيًا أو سياسيًا، فالقوة العسكرية تستطيع تدمير المدن، لكنها لا تستطيع إعادة بناء الشرعية حين تنهار أمام الرأي العام العالمي.
نتنياهو يدق ناقوس الخطر.. إسرائيل تخسر شباب أمريكا
الأخطر من ذلك أن الاعتراف نفسه جاء من رأس السلطة الإسرائيلية، فحين يقر بنيامين نتنياهو بوجود "أزمة حقيقية" في صورة إسرائيل لدى الشباب الأمريكي، فهو عن تهديد استراتيجي يمس مستقبل المشروع الإسرائيلي ذاته، لأن إسرائيل لم تعتمد يومًا على القوة العسكرية وحدها، بل في الحقيقة على قدرتها المستمرة في كسب الدعم الغربي سياسيًا وثقافيًا وأخلاقيًا.
نتنياهو يعترف.. لم يعد ممكنًا إخفاء الحقيقة
تصريح نتنياهو بأن إسرائيل أصبحت "مكشوفة بالكامل" يحمل دلالة عميقة؛ إذ يعكس إدراكًا داخليًا بأن أدوات الدعاية القديمة لم تعد فعالة في عصر الصورة المفتوحة ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتقل مشاهد المجازر والركام وأشلاء الأطفال مباشرة إلى ملايين البشر دون قدرة على حجب الحقيقة أو إعادة صياغتها.
من تحت الركام.. وُلدت الحقيقة التي أربكت العالم
ويظهر الشعب الفلسطيني بوصفه الطرف الذي استطاع، رغم الحصار والقتل والتجويع، أن ينتزع معركة الوعي العالمي، فصمود الفلسطينيين لم يعد مجرد مقاومة على الأرض، وتحول إلى قوة أخلاقية وإنسانية أربكت واحدة من أضخم الآلات الدعائية والسياسية في العالم، ما يؤكد نجاح الشعب الفلسطيني، وهو "القابض على الجمر"، في تحويل معاناته إلى شهادة حية كشفت تناقضات الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية.
العالم الجديد يعيد تعريف إسرائيل
أخطر ما تواجهه إسرائيل اليوم ليس فقط الخسائر الأمنية أو العسكرية، وإنما انهيار صورتها في وعي جيل عالمي جديد لم يعد يرى فيها الديمقراطية المحاصرة، ولكن قوة احتلال تستخدم الدعم الغربي لمواصلة الحرب ضد المدنيين، ولهذا حديث نتنياهو عن ضرورة التأثير على عقول وقلوب الشباب الأمريكي يعكس القلق من المستقبل الذي قد تفقد فيه إسرائيل أهم أسلحتها، وهو التعاطف الغربي غير المشروط، ويؤكد أن الرواية التي تُكتب بالدم والمعاناة تصبح أحيانًا أقوى من الجيوش والدعاية والتحالفات السياسية.

















0 تعليق