عونى يجمع "شهرزاد" و" البوليرو "

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الأحد 10/مايو/2026 - 12:02 م 5/10/2026 12:02:52 PM


في لحظة فنية استثنائية تتلاقى فيها الحضارات وتذوب الفواصل بين الشرق والغرب، يأتي عرض "شهرزاد والبوليرو" على خشبة دار الأوبرا المصرية ليقدم تجربة بصرية وموسيقية نادرة، تعكس نضج فن الرقص المسرحي الحديث في مصر. هذا العرض لا يمثل مجرد أمسية فنية، بل هو خلاصة مسيرة طويلة من التحدي والتأسيس قادها المخرج والمصمم وليد عوني، الذي نجح في تحويل هذا الفن من فكرة غريبة على المجتمع إلى أحد أهم روافد الإبداع المصري المعاصر.
و فى نفس الاطار ، يشهد المسرح الكبير بـدار الأوبرا المصرية،يومى 14و15 مايو الجارى، عرضًا فنيًا استثنائيًا بعنوان "شهرزاد والبوليرو"، تقدمه فرقة الرقص المسرحي الحديث المصري بمصاحبة أوركسترا أوبرا القاهرة، في تجربة تمزج بين عبق الشرق وإيقاعات الغرب، من إخراج وتصميم وليد عوني، وقيادة المايسترو محمد سعد باشا.
ويعتمد العرض على تقديم رؤية كوريجرافية تمزج بين عملين من أهم مؤلفات القرن العشرين، هما "شهرزاد" للموسيقار نيكولاي ريمسكي كورساكوف و"البوليرو" للمؤلف موريس رافيل، في صياغة بصرية تعكس تداخل الثقافات وتنوع الإيقاع، احتفاءً بمرور 150 عامًا على ميلاد رافيل، و100 عام على ميلاد أسطورة الرقص موريس بيجار، إلى جانب الاحتفال بمرور 25 عامًا على تقديم عرض "شهرزاد" ضمن إنتاجات الفرقة  عام 2000 داخل مسرح المحكى بقلعة صلاح الدين الأيوبي.
ويأتي هذا العرض امتدادًا لمسيرة طويلة أسسها وليد عوني، الذي يُعد أحد أبرز رواد إدخال فن الرقص المسرحي الحديث إلى مصر. فقد أسس الفرقة عام 1993 بعد أن استدعاه وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، في وقت لم يكن هذا الفن معروفًا محليًا، حيث كانت الساحة تقتصر على الباليه والفنون الشعبية.
ويكشف عوني عن بداياته قائلاً إنه جاء إلى مصر لأول مرة عام 1990 مع أستاذه موريس بيجار من خلال عرض "أهرامات النور" الذي قُدم بدار الأوبرا وحقق نجاحًا كبيرًا، وشهد حضور السيدة سوزان مبارك وفاروق حسني، وهو اللقاء الذي فتح الباب أمام تأسيس هذا المشروع الفني.
كما أنه شارك عام 1992 في المهرجان التجريبي بعرض "تناقضات" وحصل على جائزة النقد، وكانت هذه الجائزة نقطة تحول لفتت الأنظار إلى تجربته، لتبدأ بعدها خطوات تأسيس الفرقة، بعد مشاورات مع بيجار الذي نصحه بالتوجه إلى مصر باعتبارها أرضًا خصبة لتأسيس هذا الفن، خاصة في ظل غياب مصممي الرقص المعاصر آنذاك، و تلبية دعوة فاروق حسنى وزير الثقافة فى ذلك الوقت، خاصة أنه كان وزير منفتح على تقديم كافة الفنون الغربية.
ورغم التحديات التي واجهته في البداية، من بينها صعوبة تدريب الراقصين على لغة الجسد الحديثة، والهجوم الإعلامي الذي وصل إلى حد المطالبة برحيله، إلا أنه نجح في ترسيخ هذا الفن، مؤكدًا أن الهدف لم يكن استبدال الباليه، بل إنشاء كيان مستقل للرقص الحديث. وقدمت الفرقة أولى عروضها "سقوط إيكاروس" بعد تدريبات مكثفة استمرت خمسة أشهر لخلق لغة مشتركة بينه وبين الراقصين.
وأشار عوني إلى أن الفرقة استطاعت لاحقًا أن تجوب العالم، حيث شاركت في العديد من المهرجانات الدولية، وزارت دولًا عدة منها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والصين وتونس والمغرب والجزائر، مؤكدًا أن الفرقة تتمتع بسمعة طيبة في مختلف دول أوروبا، حيث حظيت باستقبال حار، وأثبتت أن مصر تمتلك فرقة محترفة في مجال الرقص المعاصر.
وفي رؤيته الفنية، يؤكد عوني أن العنصر الأهم في أعماله هو الفكرة، مع الحرص على المزج بين الشرقي والمعاصر، على غرار ما قدمه الموسيقيون مثل يحيى خليل والأخوين رحباني في تقديم "جاز شرقي"، موضحًا أن هذه اللغة لم تكن سهلة التقبل في بداياتها، وهو ما دفعه للعودة إلى أستاذه بيجار طلبًا للمشورة، الذي أكد له أن العمل مميز لكنه يحتاج إلى التفاعل مع خصوصية الجمهور المصري، وهو ما دفعه لاحقًا إلى تعميق ارتباطه بالثقافة المصرية وتاريخها في أعماله.
ويؤكد عرض "شهرزاد والبوليرو" أن تجربة وليد عوني لم تعد مجرد محاولة لإدخال فن جديد، بل أصبحت مدرسة فنية راسخة تمثل مصر على المسارح العالمية، وتقدم رؤية معاصرة تمزج بين الهوية والانفتاح، في عمل يحتفي بالموسيقى والرقص كجسر حضاري بين الشرق والغرب.
يبقى عرض "شهرزاد والبوليرو" شاهدًا حيًا على رحلة كفاح وإبداع، لم تكتفِ بتأسيس فرقة، بل صنعت تيارًا فنيًا كاملًا استطاع أن يفرض حضوره محليًا ودوليًا. ومن خلال هذا العمل، تتجدد رسالة وليد عوني في المزج بين الهوية والانفتاح، مؤكدة أن الفن الحقيقي قادر دائمًا على تجاوز الحدود، وصياغة لغة إنسانية مشتركة تجمع الشعوب تحت مظلة الجمال والإبداع.
في ختام هذه الرحلة، يبقى وليد عوني نموذجًا للفنان الذي لم يكتفِ بالحلم، بل حوّله إلى واقع راسخ على خشبة المسرح. من لحظة التأسيس الأولى، مرورًا بسنوات التحدي والرفض، وصولًا إلى اعتلاء المسارح العالمية، نجح في أن يصنع لغة خاصة للرقص المسرحي الحديث في مصر، لغة تنبع من الهوية وتتحاور مع العالم. لم تكن مسيرته مجرد نجاح شخصي، بل كانت مشروعًا ثقافيًا متكاملًا أعاد تعريف هذا الفن محليًا، وفتح له أبواب الانتشار دوليًا، ليظل اسمه علامة بارزة في تاريخ الإبداع المصري المعاصر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق