د. أيمن منصور رئيس مجلس إدارة شركة «هدسون مارديان» للاستشارات المالية:
4 مستهدفات للشركة فى عام 2026
رحلتك لا تقاس بعدد السنوات، بل بعدد المرات التى استطعت فيها أن تُعيد اكتشاف نفسك، وأن تخلق من كل يوم نسخة أكثر وعيًا وعمقًا ونضجًا.. رحلة لا تعرف التوقف، لأن المسيرة لا تمنح مكانًا لمن يختار البقاء كما هو، بل تكافئ أولئك الذين يملكون شجاعة التغيير وإعادة تشكيل ذواتهم باستمرار.. وكذلك محدثى يؤمن بأن القدرة على تحويل التجارب بكل تناقضاتها إلى دروس تصنع إنسانا أكثر اكتمالًا.
القادرون على التحمل لا تُرهبهم العثرات، كونهم يدركون أن الإنجازات الكبرى لا تولد من الطرق السهلة، بل تُصنع فى لحظات التحدى والمواجهة وعلى هذا الأساس كانت مسيرة الرجل.
الدكتور أيمن منصور رئيس مجلس إدارة شركة هدسون مارديان للاستشارات المالية.. يصنع لنفسه دروبًا مختلفة، ويحول العقبات إلى نقاط انطلاق نحو إنجازات غير مسبوقة، التفاؤل بالأفضل أحد أسرار نجاحه.
فى قلب القاهرة، تمتزج ذاكرة المحروسة بعطر التاريخ وأناقة الحاضر، تقف مصر الجديدة كواحدة من أكثر المناطق التى احتفظت بروحها الخاصة؛ حى صُمم ليكون متنفسًا هادئًا تتناغم فيه الحدائق مع العمارة الراقية، فاستحق اسم «النزهة» عن جدارة.. وبالقرب من ميدان سانت فاتيما، ذلك الميدان الذى ارتبط اسمه بـ«سيدة فاطمة»، اللقب الكاثوليكى للسيدة مريم العذراء، يقف مبنى شامخ يبدو كأنه قطعة من زمن مختلف، تتجاور فى تفاصيله هيبة التاريخ.. فى الطابق التاسع، تبدأ الحكاية، حيث يتحول الديكور إلى لغة، والمساحات المفتوحة إلى فلسفة.. منذ اللحظة الأولى عند المدخل الرئيسى، تشعر بأنك لا تدخل مكتبًا عاديًا، بل تعبر إلى عالم صمم بعناية ليعكس شخصية استثنائية؛ خطوط هندسية دقيقة، وتفاصيل تهمس بالفخامة دون ضجيج.
فى نهاية الممر الطويل، تتصدر الغرفة الأهم المشهد؛ الغرفة التى تُصنع داخلها القرارات المصيرية والاستثمارات الكبرى. مكتب يحمل ملامح القوة والهدوء فى آنٍ واحد، تتزين جوانبه بمكتبة عملاقة تضم عشرات الكتب النادرة والملفات الثقيلة، معظمها يدور حول الاقتصاد، والإدارة.
بين يديه تستقر أجندة صغيرة، انعكاسا لعقل يؤمن بأن ترتيب الأفكار نصف النجاح، وأن الانضباط هو الطريق الأقصر نحو القمة. صفحاتها تحمل تفاصيل يومية دقيقة، وخططًا مرسومة بعناية، وتحركات محسوبة.. على يمين المكتب، تستقر قصاصات ورقية متناثرة، لكنها فى الحقيقة ليست أوراقًا عابرة، بل فصول من رحلة كفاح طويلة.. قصة رجل لم ينتظر الفرص، بل صنعها بنفسه، ليكون بين من صنعوا لأنفسهم مكانة تبقى فى ذاكرة الزمن.
حماسٌ يمتزج بالهدوء، وثقةٌ لا تعرف الارتباك، ورؤية تتجاوز اللحظة.. يقرأ المشهد الاقتصادى، ويُفسّر التحولات التى مر بها الاقتصاد الوطنى خلال السنوات الأخيرة، مؤمن بأن الدول القوية لا تُقاس بغياب الأزمات، بل بقدرتها على تجاوزها وإعادة صناعة الفرص من قلب التحديات.
يقول إن «الاقتصاد المصرى واجه واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا فى تاريخه الحديث، بداية من تداعيات جائحة كورونا التى أربكت الاقتصاد العالمى، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية وما خلفته من اضطرابات حادة فى الأسواق وسلاسل الإمداد، وصولًا إلى التوترات الجيوسياسية التى ألقت بظلالها الثقيلة على المنطقة بأكملها».
يؤكد أن هذه العوامل مجتمعة فرضت ضغوطًا مباشرة على السوق المحلى، خاصة فى ظل الاعتماد على الاستيراد، وارتفاع معدلات التضخم العالمية، إلى جانب التغيرات المتلاحقة فى أسعار الصرف، والزيادات القياسية فى تكاليف الشحن والإمداد، وهى تحديات كانت كفيلة بإرباك اقتصادات كبرى حول العالم، ورغم حجم تلك الصدمات الخارجية، يرى أن الحكومة نجحت فى إدارة الأزمة بقدر كبير من الاحترافية والمرونة، وهو ما انعكس تدريجيًا على تراجع معدلات التضخم، وتحسن مؤشرات الاقتصاد الكلى، إلى جانب استمرار تدفقات الاستثمارات الأجنبية، مدفوعة بحزمة الإصلاحات الاقتصادية التى عززت من جاذبية السوق المصرى، بالتوازى مع تطوير بنية تحتية قوية أصبحت أحد أهم عناصر جذب الاستثمار.
يتبنى فلسفة خاصة فى قراءة الأزمات، تقوم على أن المِحن لا تعنى دائمًا النهاية، بل قد تكون البداية الحقيقية يرى أن التوترات الجيوسياسية التى ضربت المنطقة كشفت عن قدرة الدولة المصرية على التعامل المتوازن مع المتغيرات الإقليمية، فى وقت تعرضت فيه اقتصادات عديدة بالمنطقة لهزات متتالية أثرت بصورة مباشرة على استقرارها المالى والاستثمارى.
يؤمن بأن المؤشرات الحالية تعكس قوة الاقتصاد الوطنى، ليس فقط من خلال الأرقام، بل عبر مجموعة من العوامل الجوهرية، فى مقدمتها البنية التحتية الحديثة، واستمرار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، والتوسع فى الاتفاقيات والشراكات الدولية، وهى عناصر عززت ثقة المؤسسات العالمية فى الاقتصاد المصرى، ورسخت النظرة الإيجابية تجاه السوق المحلى وقدرته على النمو رغم التحديات.
< لكن ماذا عن التحديات الداخلية التى لا تزال تلقى بظلالها على مسار الاقتصاد؟
- بحماسٍ ممزوج برؤية واضحة، يجيب قائلاً: «إن الدين العام لا يزال يمثل أحد أبرز التحديات التى تواجه الاقتصاد الوطنى، خاصة مع ارتفاع حجم الديون الخارجية وتزايد أعبائها، إلى جانب حالة التذبذب فى سعر الصرف وما ترتب عليها من تراجع فى قيمة العملة المحلية، وهى أمور تتطلب تحركًا أكثر عمقًا نحو دعم القطاعات الإنتاجية».
ويؤكد أن تجاوز هذه التحديات لن يتحقق عبر الحلول التقليدية أو الإجراءات المؤقتة، بل من خلال استراتيجية اقتصادية تعتمد على التوسع فى الإنتاج والتصنيع، باعتبارهما الركيزة الأساسية لزيادة الصادرات وتوفير العملة الأجنبية بصورة مستدامة، إذ يرى أن الصناعة تمثل طوق النجاة الحقيقى لأى اقتصاد يسعى إلى تحقيق الاستقرار والنمو طويل الأجل.
ويستطرد أن «برنامج طرح وبيع الأصول غير المستغلة للقطاع الخاص لا يجب النظر إليه باعتباره مجرد وسيلة سريعة لسد فجوات التمويل أو مواجهة عجز مؤقت، بل باعتباره خطوة تستهدف تعظيم القيمة الاقتصادية للأصول وتعزيز كفاءتها التشغيلية من خلال مشاركة القطاع الخاص».
ويشير إلى أن نجاح هذه الخطوة يرتبط بوجود تقييم عادل وشفاف لتلك الأصول، سواء عبر طرحها فى البورصة بما يوسع قاعدة الملكية والاستثمار، أو من خلال دخول مستثمرين استراتيجيين قادرين على تطويرها وتحقيق قيمة مضافة حقيقية، مع الحفاظ فى الوقت ذاته على القطاعات الاستراتيجية التى تتطلب استمرار وجود الدولة وحصتها المؤثرة بها.
«إيمانٌ عميق بأن القادم يحمل فرصًا أكبر، وأن كل مرحلة صعبة ليست سوى جسرٍ نحو واقع أكثر إشراقًا».. بهذه النظرة المتفائلة يقرأ المشهد الاقتصادى، مؤمنًا بأن قدرة الدولة على إدارة الأزمات باحترافية، إلى جانب ثقلها السياسى وتنامى الفرص الاستثمارية، تمثل جميعها عوامل رئيسية تدفع الاقتصاد الوطنى نحو الانطلاق والنمو رغم التحديات.
يكشف حديثه عن قدرة واضحة على الربط بين الأحداث اليومية والرؤية الاقتصادية الأشمل، خاصة عندما يتطرق إلى السياسة النقدية ودورها فى تحقيق التوازن داخل السوق.. يرى أن الإدارة الاحترافية للسياسة النقدية كانت أحد أهم عوامل استقرار المشهد الاقتصادى خلال الفترات الماضية، عبر استخدام أدوات مالية مرنة تتغير وفقًا لطبيعة المرحلة الاقتصادية، سواء فى أوقات الانكماش أو التوسع.
ويشير إلى أن البنك المركزى تعامل بواقعية مع موجات التضخم وارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات، من خلال تبنى سياسة نقدية انكماشية اعتمدت على رفع أسعار الفائدة لكبح جماح التضخم واحتواء الضغوط السعرية، وهى الخطوة التى ساهمت فى امتصاص جزء كبير من التداعيات الاقتصادية العالمية.
< يظل ملف الأموال الساخنة واحدًا من أكثر الملفات الاقتصادية إثارةً للجدل بين الخبراء والمراقبين.. كيف ترى تأثيرها على الاقتصاد؟
- لحظات من التفكير بدت واضحة على ملامحه قبل أن يجيب بهدوء قائلاً: «لا يمكن إنكار أن الأموال الساخنة تحقق استفادة سريعة على المدى القصير، خاصة فيما يتعلق بتوفير السيولة الدولارية ودعم الاحتياطى النقدى، لكنها فى الوقت ذاته تظل سلاحًا ذا حدين إذا تحول الاقتصاد إلى الاعتماد عليها كمصدر رئيسى للتدفقات الأجنبية».
يؤكد أن خطورة هذا النوع من الاستثمارات تكمن فى طبيعتها شديدة الحساسية تجاه تحركات أسعار الفائدة والمتغيرات العالمية، إذ يمكن أن تتدفق بسرعة إلى الأسواق الناشئة، لكنها أيضًا تغادر بالسرعة نفسها عند تغير الظروف الاقتصادية أو تراجع العوائد، وهو ما قد يضع ضغوطًا كبيرة على سوق الصرف والسيولة الدولارية.
امتلاك المرونة الكافية للنهوض بعد كل أزمة، يبدو أحد أهم المبادئ التى يؤمن بها، وهى الفلسفة ذاتها التى ينظر من خلالها إلى ملف السياسة المالية، مؤكدًا أنها لعبت خلال الفترة الأخيرة دورًا محوريًا فى تعزيز قدرة الاقتصاد على التكيف مع التحديات، عبر تبنى نهج أكثر مرونة وكفاءة داخل المنظومة الضريبية.
ويرى أن الدولة نجحت فى تحقيق تطور ملحوظ على صعيد الإيرادات الضريبية، ليس فقط من خلال زيادة الحصيلة، بل عبر توسيع قاعدة الممولين وخلق حالة من التوازن بين حق الدولة فى التحصيل، وحق المستثمر فى العمل داخل بيئة أكثر استقرارًا ووضوحًا.
تكشف حصيلة خبراته الطويلة عن رؤية أكثر عمقًا حين يتحدث عن الاستثمار الأجنبى المباشر، إذ يؤكد أن القيمة الحقيقية لأى استثمار أجنبى لا تُقاس فقط بحجم التدفقات المالية، بل بمدى انعكاسها على الاقتصاد الحقيقى وحياة المواطن، من خلال توفير فرص العمل، وزيادة الإنتاج، وتعزيز الصناعة المحلية.
ويشدد على أن الاستثمار القائم على شراء الأصول فقط لا يحقق الأثر التنموى المطلوب بالقدر الكافى، مقارنة بالاستثمارات الإنتاجية التى تضيف طاقات جديدة للاقتصاد، وهو ما يتطلب تقديم المزيد من الحوافز الجاذبة للمستثمرين، عبر إتاحة أراضٍ صناعية مرفقة، وتسهيلات تمويلية وإجرائية، إلى جانب العمل على تعزيز المزايا التنافسية التى يمتلكها السوق المصرى.
وعلى مستوى المستثمر المحلى، يؤكد أن الدولة مطالبة بمواصلة إزالة العقبات أمام الاستثمار الوطنى، باعتباره الركيزة الأساسية التى تمنح المستثمر الأجنبى الثقة فى السوق، فكلما كان المستثمر المحلى قويًا ومتوسعًا، ازدادت جاذبية الاقتصاد أمام رؤوس الأموال الخارجية، كما يدعو إلى تقديم المزيد من الحوافز الضريبية للقطاع الصناعى، مع دعم حقيقى وفعّال للقطاع الخاص.
< هل يمتلك قطاع الخدمات المالية غير المصرفية دورًا حقيقيًا فى دعم وتمويل الاقتصاد؟
- علامات ارتياح بدت واضحة على ملامحه قبل أن يجيب قائلاً: «إن القطاع المالى غير المصرفى أصبح أحد الأعمدة الرئيسية فى توفير التمويل للشركات ودعم خطط التوسع والاستثمار، خاصة أنشطة التخصيم والتأجير التمويلى، والتى باتت تمثل أدوات تمويلية مهمة تمنح المستثمر مرونة أكبر وقدرة أسرع على النمو».
ويرى أن قطاع الخدمات المالية غير المصرفية يمتلك فرصًا ضخمة للنمو خلال السنوات المقبلة، لكنه لا يزال بحاجة إلى المزيد من التوعية والثقافة المالية، باعتبار أن شريحة واسعة من المستثمرين وأصحاب المشروعات لم تدرك بعد حجم المزايا التى يمكن أن توفرها هذه الأدوات التمويلية فى دعم أعمالهم وتوسعاتهم.
القدرة على بناء الأفكار وتحويلها إلى مسارات عملية، كانت دائمًا السمة التى تضع الناجحين فى المقدمة، وبنفس العقلية يتحدث عن برنامج الطروحات الحكومية، معتبرًا أنه من أهم الأدوات القادرة على جذب العملة الأجنبية وتعزيز عمق السوق، خاصة مع طرح شركات قوية ومتنوعة تمتلك فرص نمو حقيقية.
ويشير إلى أن تأسيس الوحدة المختصة بإدارة الشركات المملوكة للدولة وملف الطروحات يمثل خطوة إيجابية تعكس وجود رؤية أكثر احترافية لتنظيم هذا الملف، بما يسهم فى توسيع قاعدة الملكية، وتعميق سوق المال، وزيادة معدلات الشفافية والحد من الممارسات العشوائية أو التلاعبات التى قد تؤثر على كفاءة السوق.
الطموح حين يُدار بذكاء يتحول إلى قوة قادرة على اختصار سنوات طويلة من الطريق، وهى الفلسفة التى سار عليها الرجل فى رحلته المهنية، فصنعت له حالة من التميز ودفعت شركته نحو نجاحات متتالية.. ويكشف عن 4 مستهدفات رئيسية يعمل على تحقيقها خلال المرحلة المقبلة، تتصدرها مساعدة الشركات على الحصول على التمويل اللازم لمشروعاتها، والتوسع فى إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية، إلى جانب دعم شركات القطاع الخاص الراغبة فى القيد بالبورصة، من خلال بناء شراكات وبروتوكولات تعاون مع شركات الاستشارات المالية المقيدة لدى الهيئة العامة للرقابة المالية.
لم يعد النجاح وحده هو ما يشغله، بل الحفاظ على القمة والاستمرار بها.. بعيدًا عن ضغوط العمل، يجد فى الرياضة مساحة للصفاء الذهنى واستعادة التوازن، ويفضل الألوان التى تحمل طاقة من التفاؤل، مثل الأبيض والموف، كما يحرص على غرس ثقافة العمل والاستثمار فى النفس لدى أبنائه.. لكن، وبرغم كل النجاحات، يبقى هدفه الأكبر هو الوصول بالشركة إلى موقع الريادة، ليظل السؤال مفتوحًا: هل ينجح فى تحويل هذا الطموح إلى واقع بين الكبار؟


















0 تعليق