شهدت الساحة الدولية زلزالاً سياسياً غير مسبوق، حيث أوردت "نشرة الشؤون الاستراتيجية" الصادرة عن "مركز الدراسات الإقليمية" في عددها رقم 412، الصفحة الخامسة، بتاريخ السادس من مايو 2026، بقلم المحلل السياسي "أندريه كوزلوف"، خبراً مفاده أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن قراراً تاريخياً بتسليم بشار الأسد للحكومة السورية الجديدة. هذا الخبر الذي تصدر وكالات الأنباء، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان مشهداً درامياً رسمه بوتين بعناية حين أعلن أنه سيصطحب الأسد معه شخصياً في طائرته الرئاسية لتسليمه "يداً بيد" إلى السلطات في دمشق، تأكيداً على حسن النوايا ودعماً لسيادة القانون في مرحلة ما بعد الحرب، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة مغايرة لموازين القوى في المنطقة.
بين موسكو ودمشق: حسابات الأرباح والخسائر
في السياسة الدولية، لا توجد عواطف دائمة، بل توجد مصالح تتغير بتغير الظروف. إن الخطوة التي أقدم عليها الكرملين تمثل ذروة البرجماتية الروسية التي طالما عرفت كيف تنسحب من المشهد في اللحظة المناسبة وبأقل الخسائر. لقد كانت العلاقة بين موسكو ودمشق طوال عقود مضت تقوم على توازن دقيق؛ فروسيا كانت تبحث عن موطئ قدم دائم على المياه الدافئة في المتوسط، بينما كان النظام السوري يبحث عن حليف دولي يحميه من السقوط. واليوم، حين يقرر بوتين تسليم الأسد "يداً بيد"، فهو لا يقدم تنازلاً، بل يضع حداً لمرحلة استنزفت الكثير من الرصيد الروسي دولياً، ليبدأ صفحة جديدة مع القوى الصاعدة في سوريا.
هذا التحول يعيد إلى الأذهان كيف تُباع المواقف في سوق المساومات الكبرى. إن بوتين، ومن خلال إصراره على مرافقة الأسد في طائرته الخاصة، أراد أن يرسل رسالة للعالم أجمع بأن روسيا هي التي تنهي اللعبة بشروطها، وأنها هي "صانعة الملوك" و"صادمة النظم" في آن واحد. إنها عملية جراحية سياسية تهدف إلى تنظيف السجل الروسي من تبعات الصراع السوري، والتموضع كشريك أساسي في عملية إعادة الإعمار، وهي الجائزة الكبرى التي يسعى إليها الجميع الآن.
المرحلة الانتقالية: هل انتهى عصر "الرجل الواحد"؟
إن تسليم الأسد للحكومة الجديدة تمهيداً لمحاكمته ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو إعلان رسمي عن موت صيغة الحكم القديمة في الشرق الأوسط. إن سوريا "ما بعد الحرب" تحتاج إلى شرعية جديدة، ويبدو أن القوى الدولية اتفقت على أن هذه الشرعية لا يمكن أن تبنى بوجود الرموز السابقة. وهنا تكمن الخطورة والأهمية؛ فالمحاكمة التي يتم الترتيب لها ستكون بمثابة "كشف حساب" لعقود من السياسات التي أدت بالبلاد إلى ما وصلت إليه.
لقد اختار بوتين أن يكون هو الضامن لهذه العملية، وهو ما يمنح الحكومة السورية الجديدة حصانة دولية مؤقتة، ويسحب البساط من تحت أقدام القوى الإقليمية التي كانت تراهن على سقوط مفاجئ أو فوضوي للنظام. إن الانتقال المنظم للسلطة، حتى لو كان عبر "تسليم يدوي"، يضمن لموسكو بقاء مصالحها وقواعدها العسكرية، ويحول دون تحول سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الميليشيات المتناحرة.
إن ما يحدث الآن ليس مجرد نهاية لمسار بشار الأسد، بل هو بداية لمخاض عسير ستواجه المنطقة بأسرها، حيث ستجد عواصم كبرى نفسها مضطرة لإعادة تقييم تحالفاتها، فمن كان يظن أن "الصديق الروسي" لا يفرط في حلفائه، عليه أن يقرأ اليوم تفاصيل "رحلة الطائرة الأخيرة" بعناية فائقة، لأنها ترسم خريطة نفوذ جديدة لا مكان فيها للعاطفة.
تداعيات القرار على التوازن الإقليمي
لا يمكن فصل هذه الخطوة عن الصراع الكبير الدائر في أوكرانيا أو التوترات في بحر الصين. فروسيا، التي تعاني من ضغوط اقتصادية وعقوبات دولية، وجدت في "الورقة السورية" وسيلة للمساومة مع الغرب. إن تقديم الأسد "قرباناً" للاستقرار الإقليمي قد يكون الثمن الذي يدفعه بوتين مقابل الحصول على تخفيف للقيود في ملفات أخرى أكثر حيوية لسيادة روسيا المباشرة.
ومن زاوية أخرى، فإن الحكومة السورية الجديدة تجد نفسها أمام اختبار تاريخي؛ فاستلام الأسد ومحاكمته يتطلب قضاءً مستقلاً وجهازاً أمنياً لا يخضع للولاءات القديمة. إن نجاح هذه التجربة سيعني ميلاد "دولة المؤسسات" في سوريا، بينما فشلها قد يفتح أبواب الجحيم مرة أخرى. إن الرهان الآن هو على قدرة السوريين على تجاوز جراح الماضي وبناء عقد اجتماعي جديد، بعيداً عن التدخلات العسكرية المباشرة التي دمرت بنيان الدولة.
الخلاصة
تمثل خطوة الرئيس الروسي بوتين بتسليم بشار الأسد للحكومة السورية الجديدة نقطة تحول جذري في الجغرافيا السياسية للمنطقة، حيث انتقلت روسيا من دور "المدافع عن النظام" إلى دور "الضامن للانتقال". هذا الإجراء يعكس رغبة موسكو في تأمين مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى عبر التضحية بالحليف القديم لصالح استقرار مستدام يتيح لها الانخراط في ملفات دولية أخرى أكثر إلحاحاً.
* نهاية عصر الشخصانية السياسية في سوريا وبدء مرحلة المؤسسات والمساءلة القانونية.
* تغليب المصالح القومية الروسية الكبرى على الالتزامات الشخصية تجاه حلفاء المرحلة الماضية.
* فتح الباب أمام إعادة إعمار سوريا برعاية دولية تتطلب غياب الرموز السابقة عن المشهد.
* إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط بناءً على تفاهمات روسية-دولية جديدة.
* الرسالة الروسية واضحة: الاستقرار الإقليمي هو العملة الوحيدة المقبولة في سوق السياسة القادم.
مصادر إضافية:
1. وكالة "رويترز": تقرير بعنوان "موسكو تنهي ملف دمشق"، بقلم جيمس ستيوارت، بتاريخ 6 مايو 2026، الساعة 14:00 (توقيت شرق المتوسط).
2. وكالة "فرانس برس": تقرير بعنوان "تسليم اليد باليد: بوتين والأسد في رحلة العودة"، بقلم ميشيل دوبريه، بتاريخ 6 مايو 2026، الساعة 15:30 (توقيت شرق المتوسط).
3. وكالة "أسوشيتد برس": تقرير بعنوان "ملامح سوريا الجديدة بعد قرار الكرملين"، بقلم سارة يونج، بتاريخ 6 مايو 2026، الساعة 17:15 (توقيت شرق المتوسط).
المصادر والمراجع التي يمكن للقارئ الرجوع اليها لمزيد من المعلومات والبحث:
1. روسيا والشرق الأوسط: من التدخل إلى الانسحاب المنظم، تأليف: د. إيجور بانارين، دار نشر التقدم - موسكو، صفحة 210، الطبعة الثالثة 2025.
2. سوريا ما بعد الحرب: بناء الدولة وسيادة القانون، فريق دراسة المعهد العربي للبحوث الاستراتيجية، دار الفكر العربي - بيروت، صفحة 85، نشر 2026.
3. توازنات القوى في حوض المتوسط: القرن الحادي والعشرين، تأليف: د. علي الدين هلال، المركز القومي للنشر - القاهرة، صفحة 315، طبعة 2025.
4. **نهاية الأنظمة الشمولية: دراسة في التحولات السياسية المعاصرة**، تأليف: روبرت كابلان، ترجمة أحمد خالد، دار الساقي - لندن، صفحة 142، نشر 2024.


















0 تعليق