فى ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة لم يعد ممكناً النظر إلى التنمية باعتبارها مسؤولية الدولة وحدها بل باتت عملية تشاركية تتداخل فيها أدوار متعددة يأتى فى مقدمتها دور الكيانات المجتمعية غير أن هذا الحضور المتزايد يطرح تساؤلاً مشروعاً.. هل نجحت هذه الكيانات فى تحقيق التأثير الحقيقى أم أنها لا تزال تدور فى فلك الجهود المؤقتة؟
لا يمكن إنكار ما تبذله المبادرات المجتمعية من جهود مخلصة خاصة فى المحافظات التى تعانى من تحديات تنموية متراكمة، فهى الأقرب إلى نبض الشارع والأقدر على رصد الاحتياجات الفعلية لكن فى المقابل يفرض الواقع ضرورة التوقف أمام بعض أوجه القصور ليس بهدف الانتقاد بل سعياً نحو تصحيح المسار.
ففى كثير من الأحيان يغلب الطابع العفوى على العمل المجتمعى وتُدار المبادرات بردود أفعال بطيئة دون الاستناد إلى خطط واضحة أو أهداف قابلة للقياس، كما أن بعض الجهود رغم حسن نواياها تقع فى فخ «الموسمية» حيث تنشط فى أوقات محددة ثم تخفت دون أن تترك أثراً مستداماً يمكن البناء عليه، ومن زاوية أخرى لا يمكن تجاهل ظاهرة «تضخم الشكل على حساب المضمون» حيث يتحول التركيز أحياناً من تحقيق الأثر إلى إبراز النشاط ومن خدمة المستفيد إلى إظهار القائم بالخدمة وهى إشكالية دقيقة لا تتعلق بسوء النية بقدر ما تعكس غياب الإطار المؤسسى الذى يضبط الأداء ويوجهه نحو الغاية الحقيقية إن التحدى الأهم الذى يواجه الكيانات المجتمعية اليوم لا يكمن فى نقص الرغبة فى العطاء بل فى كيفية تحويل هذا العطاء إلى قيمة مضافة مستدامة وهذا يتطلب الانتقال من العمل الفردى إلى العمل المؤسسى ومن المبادرات المنفصلة إلى منظومة متكاملة تقوم على التخطيط والتقييم والمساءلة كما أن دعم المحافظات المهمشة لا ينبغى أن يُختزل فى تقديم المساعدات بل يجب أن يتسع ليشمل تمكين الإنسان وتعزيز قدراته وفتح آفاق جديدة أمامه للمشاركة فى عملية التنمية فالفارق كبير بين من يُعطى ليستهلك ومن يُمكّن ليُنتج.
وفى هذا الإطار تبرز أهمية الشراكة الواعية بين الكيانات المجتمعية والمؤسسات البحثية التى يمكن أن تقدم رؤى علمية تساعد على توجيه الجهود نحو أولويات حقيقية وتمنح العمل المجتمعى عمقاً واستدامة.
أما على مستوى المصداقية فإن الحفاظ على استقلالية هذه الكيانات بعيداً عن أى توظيف سياسى أو مصالح ضيقة يُعد ركيزة أساسية لبقائها واستمرار تأثيرها فالثقة إذا ما اهتزت يصعب استعادتها مهما كانت الجهود المبذولة.
وربما آن الأوان أن نُصارح أنفسنا بحقيقة بسيطة لكنها حاسمة أن قيمة العمل المجتمعى لا تُقاس بما يُعلن عنه بل بما يبقى أثره بعد أن ينصرف الضوء وأن المجتمعات لا تتغير بكثرة المبادرات بل بصدق الاتجاه ودقة التنظيم واستمرارية العطاء.
إن الرهان الحقيقى ليس فى أن نكون حاضرين فى المشهد بل فى أن نكون مؤثرين فيه وليس فى أن نُضيف رقماً جديداً إلى قائمة الأنشطة بل فى أن نترك بصمة لا تُنسى فى حياة إنسان وبين النية الطيبة والعمل المنظم تتحدد ملامح الطريق طريقٌ لا يحتاج إلى ضجيج بقدر ما يحتاج إلى ضمير.
ليس المهم أن نُكثِر من المبادرات بل أن نُحسن توجيهها، فالأثر الحقيقى لا يُقاس بما نُقدمه اليوم بل بما يبقى غداً.
المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية


















0 تعليق