من المقرر شرعًا أن تداوي بعض المرضى بما يُعرف بـ(اللبوس الشرجي) أثناء الصيام لا يؤثر في صحة الصوم، وذلك لتيقُّن عدم وصول شيءٍ مِن ذلك إلى الجوف بحيث يحصل به الفطر.
استخدام اللبوس أثناء الصيام
ومن المقرر طبيًّا أن ما يتم إدخاله مِن فتحة الشرج -سائلًا كان أو صلبًا- لا يمكن بحالٍ أن يصل بعينه إلى "المعدة"؛ نظرًا لحركة الأمعاء الغليظة، حيث تقوم بطبيعتها بدفع محتوياتها مِن الفضلات باتجاه المخرج السفلي (فتحة الشرج)، بالإضافة لوجود فوهة "الصمام اللفائفي الأعوري"، الذي يمنع نفاذ ما بـ"الأمعاء الغليظة" (القولون) إلى "الأمعاء الدقيقة" التي تسبق المعدة بصورة تصاعدية، ومن ثَمَّ فإن ما لا ينفذ إليها لا يصل بطبيعة الحال إلى المعدة التي هي أعلى منها. ينظر: "الموسوعة البريطانية"، و"الموسوعة الطبية المتخصصة- المجلد الأول- أمراض جهاز الهضم" (ص: 173-190، ط. هيئة الموسوعة العربية).
تحرير ضابط الجوف عند الفقهاء وحكم الاحتقان في الدبر
ضبط جمهور الفقهاء؛ من الحنفية، والمالكية، والشافعية في مقابل الأصح، والحنابلة هذا الجوف -على اختلاف عباراتهم في ذلك- بالباطن الذي هو "محل الغذاء والدواء" من جسم الإنسان، والذي "به قوة تحيل هذا الغذاء والدواء"، أي: تُحدث فيه (استحالة)، وهي تَحَوُّل الأعيان وتغيُّر حقائقها عن طبيعتها وأوصافها إلى شيء آخر. ينظر: "تحفة الفقهاء" لعلاء الدين السَّمَرْقَنْدِي الحنفي (1/ 356، ط. دار الكتب العلمية)، و"شرح مختصر خليل" للعلامة الخَرَشِي المالكي (2/ 249، ط. دار الفكر)، و"روضة الطالبين" للإمام النووي الشافعي (2/ 356، ط. المكتب الإسلامي)، و"الإنصاف" لعلاء الدين المَرْدَاوِي الحنبلي (3/ 299، ط. دار إحياء التراث العربي).
والجوف على هذا النحو لا يخرج عن المعدة وما يليها من الأمعاء الدقيقة فقط، أما المستقيم الذي يكون محلًّا للتحميلة وذوبانها فيه، فإنما هو عبارةٌ عن قناةِ نقلٍ لما تلفظه الأمعاء الغليظة (القولون) مما لا يحتاج الإنسان إليه من باقي الطعام -كما سبق بيانه-، ومن ثَمَّ فلا يقوم المستقيم بدور الإحالة لما يمر به أو يخزن فيه قبل عملية الإخراج.
وباستقراء نصوص جمهور الفقهاء وما وضعوه من ضوابط للتفرقة بين المفطر وغير المفطر في الداخل إلى الجوف، نجد أن المدرك عندهم في مسألة فساد الصوم بالداخل من الدبر إنما هو التصور الحاصل عندهم لوصول هذا الداخل إلى الجوف، حيث العبرة في فساد الصوم إنما هي بالوصول، "حتى إذا علم أن الدواء اليابس وصل إلى جوفه فسد صومه، وإن علم أن الرطب لم يصل إلى جوفه لا يفسد صومه"، كما قال شمس الأئمة السَّرَخْسِي في "المبسوط" (3/ 68، ط. دار المعرفة).
وقد تقرر في الشرع الشريف أنَّ معرفةَ وصول الداخل من الدُّبر (فتحة الشرج) إلى ذلك الجوف من عدمه "لَيْسَ مِنْ بَابِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالطِّبِّ"، كما قال زين الدين ابن نُجَيْم في "البحر الرائق" (2/ 301، ط. دار الكتاب الإسلامي)، فإذا ثبت وتأكد من جهة المعارف الطبية المستقرة أن هذا التصور غير صحيح، فإن علة فساد الصوم تنتفي بهذا التصور، ومن ثمَّ ينتفي الحكم، إذ مِن المقرر في علم الأصول أن "الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا"، كما في "أصول شمس الأئمة السَّرَخْسِي" (2/ 182، ط. دار المعرفة)، و"شرح الإمام الزَّرْكَشِي على مختصر الإمام الخِرَقِي" (3/ 504، ط. مكتبة العبيكان).


















0 تعليق