كلمات
الثلاثاء 05/مايو/2026 - 09:11 م 5/5/2026 9:11:50 PM
اليوم نحن أمام مفترق طرق تاريخى.. ويجب أن نتحسس خطانا وأن نحدد فى دقة وحكمة، أى الطرق نسلك قبل أن نصدر قانوناً جديداً للأحوال الشخصية
صحيح أن الحاجة إلى تشريع جديد ضرورة يفرضها واقع تغير وتجاوز نصوصاً كتبت فى عصور مختلفة شكلاً وموضوعاً عما نعيشه اليوم، وعما سيعيشه أبناؤنا وأحفادنا والأجيال القادمة.
دعونا نرجع بالذاكرة قليلاً إلى الوراء، فالقانون الذى نحتكم إليه اليوم صدرت نواته الأولى قبل 126 عاماً، وتحديداً فى عام 1920، حين كانت مصر ترزح تحت وطأة الاحتلال الإنجليزى، ثم توالت عليه ترقيعات فى عام 1929 تخص الطلاق والنسب، وصولاً إلى إضافة «الخلع» قبل 26 عاماً..
شتان بين الأحوال التى صدر فيها القانون وحالنا اليوم، فقد صدر القانون الأول فى مجتمع كان فيه الرجل هو «سى السيد» بامتياز، وكانت المرأة بلا حقوق تقريباً، لا تكاد تخرج للشارع أو تكشف وجهها إلا فيما ندر، أما اليوم، فقد انقلبت الآية، وباتت النساء يتمتعن بمراكز قانونية واجتماعية تفوق فى بعض الأحيان ما لدى الرجال، حتى بتنا نسمع أصواتاً تطالب بـ«مساواة الرجل بالمرأة»!
إن الأرقام التى تفرزها المحاكم اليوم ليست مجرد إحصائيات، بل هى «أجراس إنذار» تدق بعنف فى أذن المجتمع، نحن أمام حالة طلاق تقع كل 100 ثانية، و3 حالات خلع كل دقيقتين!.. والنتيجة جيش يتراوح بين 13 إلى 15 مليون طفل يعيشون فى كنف أسر ممزقة أو تتخطفهم أروقة المحاكم، وهو رقم يفوق تعداد سكان دول الخليج جميعاً!
السبب وراء هذا الحال المروع ليس قانونياً فحسب، بل هو سبب مجتمعى بامتياز، هناك غياب مرعب لمفهوم «المسئولية»، فكثير من الفتيات، للأسف، لم يعدن يدركن المعنى الحقيقى للحياة الزوجية، وتحول الزواج لدى البعض إلى ما يشبه «الصفقة التجارية» التى تنتهى بعد أسبوع لتحصيل المؤخر، وقائمة المنقولات، والذهب الذى تقدر قيمته بمئات الآلاف، وفى المقابل، نجد شباباً مستهترين لا يقدرون قدسية الميثاق الزوجى، فتكون النتيجة هذه المعدلات المفزعة للطلاق والخلع.
ومن هنا، تبرز أهمية مناقشة مسودة هذا القانون التى أثارت زوابع من الجدل بين «ترحيب بالإنصاف» و«تخوف من الصدام»، فمشروع القانون يحوى مناطق ألغام قابلة للانفجار، ولهذا يجب التعامل معها بكل حكمة وعلى رأسها حق الزوجة فى فسخ العقد خلال 6 أشهر، وكذلك «الذمة المالية» وتقاسم الثروة، والتى يمكن أن تصبح عاملاً سلبياً يدمر فكرة الزواج نفسه ويثير تخويف الشباب منه!
وكذلك الطلاق الشفهى، الذى أكد الأزهر أنه يقع دينياً، وبالتالى فإن اشتراط أن يكون الطلاق مكتوباً قد يؤدى إلى أن تعيش مطلقة مع طليقها رغم وقوع الطلاق بينهما!
والحديث هنا يجرنا إلى قضية «الحوار المجتمعى»، لقد سئم الناس من الطريقة التقليدية للحوارات المجتمعية، تلك التى تتحول غالباً إلى «مكلمة» لا طائل منها، تعقد فى قاعات فارهة، وتحضرها وجوه مكررة لا نعلم كيف تم اختيارها لتتحدث باسم الشعب.
نحن فى عصر الذكاء الاصطناعى.، فلماذا لا يفتح البرلمان منصة رقمية شاملة تتيح لكل مواطن مصرى أن يدلى بدلوه ويطرح مخاوفه ويقول رأيه؟.. يجب أن يتم استيعاب نبض الشارع الحقيقى وبلورة توافق مجتمعى صلب، حول القانون قبل إقراره فى البرلمان.. وهذا أمر سهل ومتاح جداً..
ولعل فيما حدث مع «قانون الأسرة للمسيحيين» عبرة وعظة، فقد نال هذا القانون إشادات واسعة ونجح فى جمع شتات القوانين الكنسية فى وثيقة واحدة، وحظى برضا وتوافق أبناء الطائفة. فلماذا نعجز نحن عن صياغة قانون متوازن يحمى الأسرة، ويحاسب المستهتر، ويضع مصلحة هؤلاء الـ15 مليون طفل فوق كل اعتبار؟
القانون المنتظر ليس مجرد مواد تتلى فى قاعات المحاكم، بل هو وثيقة هندسة اجتماعية تحدد شكل مصر فى العقود القادمة، فلنحسن صياغتها، قبل أن نبكى جميعاً على اللبن المسكوب.








0 تعليق