كيف تسهم البنوك وشركات التأمين في تنظيم السوق العقاري وحماية المستهلك

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تأتي هذه الأطروحة استكمالاً لسلسلة مقالاتنا المنشورة في "بوابة الوفد" حول ملفات الإسكان والمجال العقاري، والتي كان آخرها مقال: "دور الدولة في تأمين التصرفات العقارية". ونعرض هنا رؤية مبدئية لإعادة هيكلة السوق، مؤكدين على أهمية الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا الصدد، للوصول إلى نموذج إجرائي يضمن حماية المستهلك العقاري وينهي عشوائية السوق.


أولاً: التسلسل الإجرائي للمشروعات العقارية (من الأرض إلى التسليم)
١. تخصيص أراضي الدولة للبنوك الممولة: تبدأ الدورة بقيام الدولة بتوزيع محفظة الأراضي على مؤسسات التمويل الكبرى (البنوك وصناديق الاستثمار) ذات الملاءة المالية العالية، لضمان وجود غطاء مالي ذاتي للمشروعات بعيداً عن مدخرات المشترين.
٢. تحديد شركة التأمين الضامنة: يتم الاتفاق بين الدولة والبنك الممول على تحديد شركة تأمين مؤهلة للعمل في مجال التأمين العقاري، لتتولى تأمين ومراقبة الأداء في المشروع (جودة، جدول زمني، مستخلصات، وجوانب هندسية ومالية وتعاقدية) منذ البدايةح وحتى طرح المشروع للبيع بعد اكتماله.
٣. اختيار والتعاقد مع المطور المؤهل: يقوم البنك الممول، بالتعاون مع شركة التأمين، باختيار والتعاقد مع مطور عقاري مؤهل فنياً (وفقاً للمواصفات الصادرة عن الدولة والبنك المركزي والجهات البحثية).
٤. استخراج التراخيص اللازمة: يتولى البنك الممول استخراج كافة التراخيص والموافقات القانونية والهندسية للمشروع تحت إشراف مباشر من أجهزة الدولة المعنية، لضمان مشروعية البناء منذ اللحظة الأولى.
٥. متابعة تنفيذ المشروع والرقابة الإنشائية: يتم التنفيذ تحت رقابة ميدانية وفنية مستمرة تشترك فيها (البنك الممول، شركة التأمين، وجهات الدولة المختصة). وتتابع شركات التأمين مراحل التنفيذ بدقة كصمام أمان يمنع صرف المستخلصات للمطور إلا مقابل إنجاز فعلي مطابق للمواصفات والجدول الزمني المعتمد.
٦. مرحلة الاعتماد والترقيم: فور الانتهاء التام، تخضع الوحدة للفحص النهائي لإصدار "الرقم القومي للعقار" وتسجيله، وهو ما يعني جاهزية العقار للتداول بكافة صوره القانونية (بيع، تأجير، رهن، أو أي صورة تصرف أخرى).
٧. مرحلة الطرح والتداول الآمن: يُمنع طرح أي وحدة للبيع إلا بعد صدور الرقم القومي، لضمان أن المشتري يتعامل على منتج عقاري مكتمل الأركان وموثق رسمياً، بعيداً عن مخاطر "البيع المبكر".
٨. فتح حسابات الوساطة: يتم فتح حساب وساطة (Escrow Account) لإتمام عملية التداول تحت إشراف شركة التأمين في بنك آخر غير البنك الممول، ولا تُصرف التدفقات المالية منه إلا بعد تصديق شركة التأمين على استيفاء كافة الالتزامات الفنية والتعاقدية.
٩. اعتماد العقود النهائية: يتم تقديم العقود النهائية للدولة لاعتمادها وتسجيلها رسمياً، لضمان مطابقتها للنماذج الموحدة والمعايير القانونية المقررة.
١٠. التوثيق وإتمام الإجراءات: إكمال كافة الإجراءات المالية والقانونية النهائية بناءً على موافقة الدولة على العقود وتوثيقها، مما يمنح الصفقة الصبغة الرسمية النهائية.


ثانياً: دور شركات التأمين والبنوك في عمليات إعادة البيع
تؤدي شركات التأمين والبنوك دوراً محورياً في ضبط سوق "إعادة البيع" (Resale)؛ حيث تقوم هذه المؤسسات بالدور الذي يقوم به حالياً "المحامي" و"المهندس" بشكل فردي لصالح المشتري أو المستهلك العقاري، ولكن من خلال كيانات مؤسسية ضامنة، وذلك عبر التسلسل التالي:
أ- الفحص القانوني والاعتماد: مراجعة تسلسل الملكية وصحة المستندات لضمان خلو العقار من النزاعات، مع تحمل المسؤولية القانونية الكاملة عن هذا الفحص.
ب- التقييم الفني والهندسي من خلال معاينة العقار للتأكد من سلامته الإنشائية وجودته قبل انتقال الملكية، وفقا للمواصفات والاكواد والمعايير الفنية والهندسية في هذا الصدد. 
ج- إتمام عملية البيع وإيداع القيمة المالية في حساب وساطة، ولا يتم تحويل الأموال للبائع إلا بعد إتمام التسجيل الرسمي وبموجب شهادة ضمان صادرة من شركة التأمين.

 

وينبغي التأكيد علي أنه لابد من أن تتم كافة العلاقات التعاقدية بين الأطراف وفقاً لنماذج العقود العقارية الموحدة والمعتمدة من الدولة، والتي تضمن الفصل الصارم بين الأنشطة لمنع تضارب المصالح. ولا يجوز الخروج عن هذه النماذج إلا بموافقة خاصة من جهة قانونية رسمية وفي حالات استثنائية مبررة.


وتستهدف هذه المنظومة في جوهرها التصدي لكافة سلبيات سوق صناعة الإنشاءات وسوق إعادة البيع، متضمنة كافة أشكال المخالفات والغش وعدم الالتزام، فضلاً عن مكافحة الجرائم العقارية كالتزوير وتعدد البيوع والاستيلاء على الأراضي العامة والخاصة ووضع اليد بالمخالفة للقانون؛ حيث تعمل البنوك وشركات التأمين كمعاون استراتيجي للدولة عبر التدقيق المسبق والربط الرقمي مع قواعد البيانات العقارية (الرقم القومي للعقارات المزمع استحداثها حالياً)، والربط التقني الشامل مع قواعد بيانات الدولة الوطنية. إن حظر ظاهرة "البيع المبكر" للعقارات واشتراط "الانتهاء التام" وإصدار الرقم القومي يسهم بشكل دراماتيكي في ضبط السوق، حيث يعزز هذا الترتيب من مصداقية المنتج العقاري المصري، ويزيد من جاذبيته الاستثمارية محلياً ودولياً، ويصون الثروة العقارية الوطنية؛ وهي مقترحات تمثل رؤية مبدئية قابلة للتطوير، وينبغي أن تقترن بدراسات مستفيضة لـ التجارب الدولية الناجحة لضمان صياغة منظومة مصرية متكاملة تجعل من البنوك وشركات التأمين صمام أمان للمستهلك العقاري والدولة وللأطراف الجادة في السوق العقاري على حد سواء.

* سياسي ونقابي والمستشار الأسبق لوزير البيئة

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق