«سوق الغشاشين».. النجاح لمين؟

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 لم يعد الغش فى الامتحانات مجرد ورقة صغيرة مخبأة أو نظرة خاطفة داخل لجنة الامتحان، بل تحوّل إلى سوق خفى تُروَّج فيه وسائل متطورة، تبدأ بسماعات صغيرة بأسعار تصل إلى آلاف الجنيهات، وقد يصل الأمر إلى إجراء عمليات جراحية دقيقة لإخفائها داخل الأذن، هذا الواقع يكشف عن أن الظاهرة لم تعد سلوكًا فرديًا عابرًا، بل أصبحت صناعة قائمة تعكس خللًا عميقًا فى مفهوم النجاح لدى بعض الطلاب وأسرهم، حيث يُستبدل الاجتهاد بالتحايل، والقيمة الحقيقية للعلم بالنتيجة فقط.

ومع اقتراب موسم الامتحانات خاصة امتحانات الثانوية العامة التى تشهد منذ عدة سنوات ابتكار وسائل جديدة للغش، يشهد «سوق الغشاشين» إقبالا كبيرًا، حيث تنتشر الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعى، فبضغطة واحدة على أى صفحة ستجد إعلانات «عينى عينك» عن سماعات يصل سعرها لآلاف الجنيهات يتم زرعها داخل الأذن من خلال عملية جراحية، كما وجدنا إعلانات أخرى لسماعات أقل سعرًا تبدأ من 600 جنيه، بالإضافة إلى أنواع متوسطة تتراوح أسعارها بين 700 إلى 2000 جنيه.

بالإضافة إلى هذا كله توجد وسائل أكثر ابتكارًا واحترافية مثل: الأظافر التى تستخدمها الفتيات ومدون عليها المنهج، والتى يتجاوز سعرها الـ3000 جنيه.

هكذا تطورت رحلة الغش داخل اللجان، بداية من «البرشامة» التى كانت عبارة عن ورقة صغيرة تكتب عليها معلومات بخط صغير جدًا، وتوضع بين طيات الملابس، حتى وصل الأمر إلى السماعات التى تزرع داخل الآذان من خلال عمليات جراحية، مرورًا بميكروفونات الغش التى كانت تستخدم فى بعض المحافظات أمام اللجان.

فى الوقت ذاته أكدت وزارة التربية والتعليم، أن مواجهة الغش لا تعتمد على العقاب وحده، بل على منظومة متكاملة تهدف إلى حماية نزاهة العملية التعليمية وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، وتبدأ هذه المنظومة من داخل لجان الامتحانات، عبر إجراءات صارمة تشمل التفتيش الدقيق، ومنع دخول أى وسائل إلكترونية، وتنظيم توزيع الطلاب بشكل يقلل من فرص التواصل أو تبادل الإجابات، فضلًا عن استعانتها بوسائل التشويش على السماعات، ما يطرح تساؤلًا هل هذا يكفى لتحقيق العدالة بين التلاميذ؟.

 منظومة متكاملة

وتعليقًا على ذلك قالت الدكتورة بثينة عبدالرؤوف، الخبيرة التربوية، إن مواجهة ظاهرة الغش فى الامتحانات تتطلب منظومة متكاملة تبدأ من تعزيز وعى الطلاب بقيمة الجهد المبذول، وترسيخ فكرة أن النجاح الحقيقى هو ثمرة الاجتهاد وليس التحايل، مع أهمية إعداد أكثر من نموذج مختلف للاختبار داخل اللجنة الواحدة للحد من فرص الغش وإضعاف دوافعه.

وبحسب ما قالته الخبيرة التربوية كانت محاولات الغش تعتمد فى الغالب على وسائل بسيطة وتقليدية، مثل كتابة ملاحظات صغيرة على الورق، أو تبادل الإجابات بين الطلاب داخل اللجنة بشكل مباشر، وكانت هذه الأساليب تعتمد على عنصر السرعة والسرية، مع وجود فرص أكبر للنجاح بسبب محدودية الرقابة وضعف الوسائل التكنولوجية.

ومع مرور الوقت وانتشار الهواتف المحمولة فى بداية الألفية، بدأت مرحلة جديدة من التحديات، حيث ظهرت محاولات لاستخدام الرسائل النصية أو الصور لنقل الإجابات، وهو ما دفع الجهات المعنية إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، مثل منع دخول الهواتف إلى اللجان وتفتيش الطلاب قبل الامتحان.

واستكملت الخبيرة التربوية الدكتورة بثينة عبدالرؤوف، حديثها قائلة: إن عمليات البيع لوسائل الغش أصبحت تعتمد على أدوات إلكترونية دقيقة أو وسائل اتصال متقدمة، إضافة إلى استخدام تطبيقات التواصل الحديثة فى تبادل المعلومات، إلا أن هذه المرحلة قابلها تطور مماثل فى أدوات الرقابة، مثل أجهزة كشف المعادن، وأنظمة التشويش على الإشارات، وكاميرات المراقبة داخل اللجان.

وأضافت الخبيرة التربوية قائلة إنّ من الوسائل الفعالة للحد من الغش تقديم تعليمات واضحة للطلاب قبل وأثناء الامتحان تساعدهم على تقليل التوتر، بحيث لا يدفعهم القلق إلى البحث عن طرق غير مشروعة للإجابة، مؤكدة أن بناء بيئة امتحانية هادئة يقلل من السلوكيات السلبية بشكل كبير.

كما شددت على أهمية تنويع أساليب الامتحانات، وضرورة ألا تقتصر الأسئلة على الاختيار من متعدد فقط، لأن هذا النمط يسهل عمليات الغش، بينما إدراج أسئلة مقالية يساهم فى قياس الفهم الحقيقى لدى الطالب، ويعزز قدرته على التعبير وعرض الأفكار وصياغتها بشكل سليم.

واختتمت حديثها مؤكدة أن انتشار الغش يرتبط بعدة أسباب، من أبرزها الخوف والقلق من الامتحان، وضعف الوازع الدينى، وتراجع الإحساس بالمسئولية تجاه الدراسة، وغياب الطموح والأهداف الواضحة لدى بعض الطلاب، إلى جانب تهيئة بيئة تسمح بحدوث الغش، وضعف المستوى التحصيلى، وعدم كفاية الوقت المخصص للإجابة عن الأسئلة، مؤكدة أن معالجة هذه العوامل مجتمعة هو الطريق الحقيقى للحد من الظاهرة بشكل فعال.

مصداقية العملية التعليمية

لم تكتفِ وزارة التربية والتعليم على مجرد بيانات مشددة للطلاب بعدم الغش، إنما اعتمدت على منهج جديد لمواكبة التطور، حيث قالت الدكتورة ولاء شبانة، الخبيرة التربوية، إنّ وزارة التربية والتعليم تتعامل مع ملف الغش فى الامتحانات باعتباره أحد أهم عناصر الحفاظ على مصداقية العملية التعليمية، لذلك تعتمد على منظومة متكاملة تجمع بين الإجراءات التنظيمية والتكنولوجية والتشريعية، بهدف تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع الطلاب.

وأضافت الخبيرة التربوية، أنّ الوزارة تبدأ منظومة المواجهة من تأمين لجان الامتحانات نفسها، حيث يتم تشديد إجراءات الدخول عبر التفتيش الدقيق للطلاب قبل دخول اللجان، ومنع اصطحاب أى أدوات إلكترونية أو وسائل اتصال، كما يتم توزيع الطلاب بشكل منظم داخل اللجان لمنع أى محاولات للتواصل أو تبادل الإجابات.

وتابعت: تعتمد الوزارة على التكنولوجيا فى الرقابة، من خلال استخدام كاميرات مراقبة فى عدد كبير من اللجان، بالإضافة إلى أجهزة حديثة للكشف عن الوسائل الإلكترونية غير المصرح بها، كما تتم الاستعانة بأنظمة تشويش فى بعض المناطق لمنع الاتصالات الخارجية أثناء الامتحانات.

وأشار إلى أنّ هناك عنصرًا بشريًا مهمًا يتمثل فى تدريب المراقبين والملاحظين على رصد أى سلوك غير طبيعى داخل اللجنة، مثل محاولات التواصل غير المباشر أو استخدام وسائل خفية، مع وجود تعليمات واضحة للتعامل الفورى مع أى مخالفة.

وأضافت الدكتورة ولاء أنّ الوزارة تطبق نظامًا صارمًا للعقوبات، حيث يتم إلغاء الامتحان فى حالة ضبط أى محاولة غش، وقد تصل العقوبات إلى الحرمان من الامتحانات لعدة سنوات، وهو ما يهدف إلى الردع وحماية مبدأ العدالة بين الطلاب، فضلًا عن تحديث نماذج الامتحانات بشكل مستمر، بحيث تعتمد على الفهم والتحليل بدلًا من الحفظ فقط، ما يقلل من فرص الاعتماد على الغش ويقيس مستوى الطالب الحقيقى.

وأكدت الدكتورة ولاء شبانة أهمية ترسيخ القيم الدينية والأخلاقية لدى الأبناء منذ الصغر، وتعزيز مفهوم الرقابة الذاتية المرتبطة بالإيمان بأن الله مطلع على كل تصرف، حتى فى غياب الرقابة الخارجية من المعلم أو الأسرة. كما شددت على ضرورة تفعيل دور الأسرة بشكل أكبر فى متابعة الأبناء من خلال التواصل المستمر مع المدارس والمشاركة فى الاجتماعات التربوية، بما يساهم فى معالجة السلوكيات السلبية مبكرًا.

وأوضحت أيضًا أهمية التعامل التربوى مع الطالب الذى يثبت تورطه فى الغش، من خلال عدم الاكتفاء بالعقوبة، وإنما إلزامه بالتواصل مع المرشد التربوى لفهم أسباب هذا السلوك ومحاولة تصحيحه بشكل علمى ومنهجى. كما دعت إلى ضرورة وضع لوائح واضحة وعقوبات صارمة تطبق بعدالة داخل لجان الامتحانات، بما يضمن تحقيق الانضباط وردع أى محاولات للغش.

واختتمت «شبانة» حديثها بالتأكيد على ضرورة فرض قواعد صارمة وواضحة داخل لجان الامتحانات، تتعلق بسلوك الطلاب وتنظيم جلوسهم ومراقبة سير الامتحان بشكل دقيق، إلى جانب تعزيز ثقافة الاعتماد على النفس، وبناء شخصية الطالب على أسس من النزاهة والجدية، باعتبار أن القضاء على الغش يبدأ من التربية قبل أن يكون مجرد إجراءات رقابية.

عقوبات

ومن الجزء التقنى والتساؤلات حول إمكانية مواجهة تطور الغش إلى العقوبة المنتظرة لحالة التلبس فى الغش، وردًا على ذلك أوضح أيمن محفوظ، الخبير القانونى، أن جرائم الغش وتسريب امتحانات الثانوية العامة لا تخضع لنصوص قانون العقوبات التقليدى، وإنما يتم تنظيمها وفقًا للقانون رقم 101 لسنة 2015، بعد تعديله بالقانون رقم 205 لسنة 2020، والذى جاء لتشديد العقوبات ومواجهة ظاهرة الغش الإلكترونى وتسريب الامتحانات.

وأشار إلى أن التعديلات استحدثت مواد قانونية جديدة، أبرزها المادة (23 مكرر)، والتى تجرّم كل صور نشر أو إذاعة أو تسريب أسئلة أو إجابات الامتحانات، سواء داخل اللجان أو خارجها، باستخدام الوسائل التقليدية أو الوسائل الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعى، وكذلك تجريم المساعدة أو الاشتراك فى هذه الأفعال بأى شكل.

وأضاف أن القانون لم يكتفِ بتجريم الفعل فقط، بل شدد العقوبات بشكل واضح، حيث تصل العقوبة إلى الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على سبع سنوات، بالإضافة إلى غرامة مالية تتراوح بين 100 ألف جنيه و200 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وذلك بحسب جسامة الفعل ودور المتهم فيه.

كما تشمل العقوبات المقررة وفق التعديلات حرمان الطالب من أداء الامتحان فى المادة محل الغش، وقد تصل فى بعض الحالات إلى اعتباره راسبًا فى المادة أو حرمانه من دخول الامتحانات لمدة عام أو أكثر، وفقًا لتقدير الجهات المختصة، خاصة فى حالات التلبس أو استخدام وسائل تقنية متطورة فى الغش.

وأكد الخبير القانونى أن الهدف من هذه التشريعات هو تحقيق الردع العام، وحماية نزاهة العملية التعليمية، والتصدى لأى محاولات للإخلال بعدالة الامتحانات، خاصة مع التطور التقنى الذى سهل من عمليات الغش الإلكترونى والتسريب.

واختتم بالإشارة إلى أن الإطار القانونى الحالى، ممثلًا فى القانون رقم 205 لسنة 2020 المعدل لقانون مكافحة الإخلال بالامتحانات، جاء ليضع عقوبات رادعة وواضحة، تضمن الحفاظ على تكافؤ الفرص بين الطلاب، وتجريم أى سلوك يمس شفافية منظومة الامتحانات فى مصر.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق