سوق سوداء للبشر.. والدولة خارج الخدمة!
فى دولة بحجم وتعقيدات مصر، لم يعد الحديث عن الاتجار بالبشر رفاهية حقوقية، بل أصبح جرس إنذار يُقرع فى وجه المجتمع والدولة معاً، فهذه الجريمة العابرة للحدود، التى تتخفى أحياناً خلف الفقر أو العادات أو ستار العمل، باتت تفرض نفسها بقوة على الأجندة التشريعية والإنسانية، ورغم أن مصر أصدرت قانوناً صارماً لمكافحة الاتجار بالبشر، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يكفى القانون وحده لمواجهة كل أشكال هذه الجريمة المتطورة.
الحقيقة الصادمة أن الجريمة لا تزال قائمة، بل تعيد إنتاج نفسها بأشكال أكثر تعقيداً ودهاءً..ورغم مرور أكثر من عقد على صدور القانون رقم 64 لسنة 2010 لمكافحة الاتجار بالبشر، لا تزال هذه الجريمة تنبض فى شرايين الواقع المصرى بأشكال متعددة، أكثر خفاءً وأشد قسوة، القانون ولد قويا على الورق، بنصوص صارمة وعقوبات مشددة، لكنه اصطدم بحقيقة أكثر تعقيداً.
أطفال يدفعون إلى العمل القسرى والتسول تحت أعين الجميع، فتيات قاصرات يسقن إلى زيجات تحمل فى طياتها صفقات مالية، عمالة مستغلة بلا حماية، وضحايا يتم استدراجهم لبيع أعضائهم تحت وطأة الحاجة.
الأخطر أن هذه الجرائم لم تعد تقليدية فقط، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمى، حيث تصنع المصائد عبر شاشات الهواتف، وتدار عمليات الاستغلال بوسائل حديثة يصعب تعقبها، هنا يتجلى الخلل الحقيقى، قانون موجود، لكن منظومة المواجهة غير مكتملة.. والتحدى الأكبر لا يكمن فى غياب التشريع، بل فى فجوة التطبيق. ضعف التنسيق بين الجهات، محدودية آليات الحماية، نقص الوعى المجتمعى، كلها عوامل تفتح الباب أمام استمرار الجريمة، القانون يعاقب بعد وقوع الكارثة، لكنه لا يمنعها قبل أن تبدأ، ولا يعالج جذورها الممتدة فى الفقر والتهميش، والنتيجة، مجتمع يستنزف فى صمت، ضحايا تتحطم حياتهم، وشبكات تتوسع، وثقة تتآكل فى قدرة المنظومة على الحماية.
تظل منظومة حماية وتأهيل الضحايا بحاجة إلى دعم أكبر، لضمان إعادة دمجهم فى المجتمع ومنع إعادة استغلالهم، لذلك القانون 64 لسنة 2010 كان ضرورة لا غنى عنها، لكنه وحده غير كافٍ للقضاء على الاتجار بالبشر، والمواجهة الحقيقية تتطلب تكاملاً بين إنفاذ القانون بصرامة، ورفع الوعى المجتمعى، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتطوير آليات الرقابة والتعاون بين الجهات المختلفة.
منذ أيام فقط ولأول مرة تبنت وزارة العدل ملف الاتجار بالبشر، فقد دعا المستشار محمود حلمى الشريف، وزير العدل، الجهات المختصة بالحوار المجتمعى المتخصص الذى تجريه وحدة قياس الأثر باللجنة العليا للإصلاح التشريعى بشأن قانون مكافحة الاتجار بالبشر.
وجاءت رغبة الوزير انطلاقاً من نهج جديد تبنته الوزارة فى إعداد أو تعديل مشروعات القوانين، بالتشاور مع القائمين على تطبيق النصوص التشريعية والجهات ذات الصلة، على نحو يكفل الوقوف على التحديات التى أفرزها الواقع العملى لتطبيق النصوص، واستيعاب كل الرؤى القانونية والفنية المرتبطة بالتشريعات محل القياس، وشهد اللقاء حواراً متعمقاً حول المحاور المرتبطة بالتعديلات المقترحة لقانون مكافحة الاتجار بالبشر، سواء من حيث نطاق التجريم أو ملاءمة العقوبة أو تفعيل النصوص.
وجه الوزير باستمرار الاجتماعات، التى تعكس فهماً عميقاً للتشريع على نحو يمهد لصياغة تشريعية متوازنة تمثل توافقاً مجتمعياً مع مراعاة مقتضيات التطور التشريعى بما يعزز الثقة فى منظومة العدالة.
ويقول المستشار محمود عطية، المحامى بالنقض ومنسق ائتلاف مصر فوق الجميع، إن قانون مكافحة الاتجار بالبشر فى مصر يعد خطوة مهمة فى مواجهة هذه الجريمة المعقدة التى تمس الكرامة الإنسانية. فقد وضع إطاراً قانونياً يجرم مختلف صور الاستغلال، مثل العمل القسرى، والاستغلال الجنسى، والاتجار بالأطفال، مع فرض عقوبات رادعة على المتورطين، وأشار إلى أن القانون أسهم فى تعزيز التزام الدولة بالاتفاقيات الدولية، وأتاح آليات لحماية الضحايا وتقديم الدعم لهم. ومع ذلك، التساؤل عن مدى كفاية هذا القانون يظل مطروحاً. وأكد «عطية» أن التشريعات وحدها لا تكفى إذا لم تدعم بتطبيق فعال على أرض الواقع وأنه لا تزال هناك تحديات تتعلق بضعف الوعى المجتمعى، وصعوبة اكتشاف بعض الحالات، خاصة فى المناطق الفقيرة أو غير الرسمية، بالإضافة إلى الحاجة لتدريب أفضل للجهات المعنية بإنفاذ القانون، مضيفاً أن مكافحة الاتجار بالبشر تتطلب تنسيقاً أكبر بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدنى، إلى جانب توفير موارد كافية لدعم الضحايا وإعادة تأهيلهم، لذا يمكن القول إن القانون يمثل أساساً قوياً، لكنه ليس كافياً بمفرده، وأن النجاح الحقيقى يعتمد على تكامل الجهود بين التشريع، والتطبيق، والتوعية المجتمعية، لضمان الحد من جميع أشكال الاتجار بالبشر فى مصر بشكل فعال ومستدام.
وأضاف «عطية» أن القانون رقم 64 لسنة 2010 الخاص بمكافحة الاتجار بالبشر شكل خطوة تشريعية مهمة فى مواجهة واحدة من أخطر الجرائم العابرة للحدود، إذ وضع تعريفاً واضحاً للاتجار بالبشر، وجرم صوره المختلفة، وفرض عقوبات رادعة، كما أقر مبدأ حماية الضحايا وعدم معاملتهم كجناة، على مستوى النص، بدا القانون متقدماً ومتسقاً مع المعايير الدولية، ووفر أساساً قانونياً قوياً للتحرك.
لكن على أرض الواقع، لم ينجح القانون فى القضاء على الظاهرة بشكل كامل. مشيراً إلى أن السبب لا يعود إلى ضعف النصوص بقدر ما يرتبط بتحديات التنفيذ، فالجريمة بطبيعتها مرنة ومتطورة، تتغير أدواتها وأساليبها باستمرار، بينما يظل التطبيق أحياناً أبطأ من مواكبة هذه التحولات، مؤكداً لا تزال هناك فجوات فى الرصد المبكر، وصعوبات فى كشف الشبكات المنظمة، إلى جانب ضعف التبليغ بسبب الخوف أو الجهل بالحقوق، وهو ما يسمح باستمرار بعض الممارسات فى الظل.

















0 تعليق