يبدو أن عام الكفاءة الذي أعلنه مارك زوكربيرج سابقاً لم يكن مجرد مرحلة عابرة، بل تحول إلى استراتيجية بقاء قاسية. في تطور جديد ومفاجئ لقطاع التكنولوجيا، أعلنت شركة Meta (الأم لفيسبوك وإنستغرام وواتساب) عن جولة ضخمة من التسريحات تشمل 10% من قوتها العاملة، وهو ما يعادل رحيل حوالي 8,000 موظف عن مكاتبهم.
تفاصيل القرار: كفاءة أم تضحية؟
لم تتوقف الأرقام عند حد الموظفين الحاليين، بل امتدت لتشمل إلغاء 6,000 وظيفة شاغرة كانت الشركة تنوي شغلها.
وبحسب مذكرة داخلية مسربة من "جانيل جيل"، رئيسة الموارد البشرية في ميتا، فإن هذه الخطوة تأتي ضمن مساعي الشركة لتقليل النفقات التشغيلية وإعادة توجيه الموارد نحو قطاعات أكثر حيوية.
اللافت في الأمر هو التبرير الصريح لهذه الخطوة؛ حيث أشارت المذكرة إلى أن هذه الاقتطاعات تهدف إلى "تعويض الاستثمارات الأخرى" التي تقوم بها الشركة. وعندما نتحدث عن استثمارات ميتا في 2026، فإن الإشارة بوضوح تتجه نحو الذكاء الاصطناعي (AI).
الذكاء الاصطناعي: المحرك الجديد والجلاد أيضاً
تعيش "ميتا" حالياً حالة من الهوس التقني بالذكاء الاصطناعي، حيث تسابق الزمن لتطوير نماذجها الخاصة وتضمينها في كل منتجاتها، بدءاً من النظارات الذكية التي أصبحت تعتمد كلياً على ميزات الـ AI، وصولاً إلى خوارزميات المحتوى.
المفارقة المأساوية هنا هي أن الموظفين الذين ساهموا في بناء هذه الشركة يجدون أنفسهم اليوم "خارج اللعبة" لتوفير السيولة اللازمة لتطوير تقنيات قد تحل محل وظائف بشرية أخرى في المستقبل. إنها عملية إحلال كبرى؛ حيث يتم استبدال الرواتب البشرية بقدرات حوسبية هائلة.
هل انتهت العاصفة؟ المؤشرات تقول "لا"
رغم ضخامة هذا الرقم، إلا أن المحللين يخشون من أن القادم قد يكون أصعب. ففي وقت سابق من مارس الماضي، انتشرت تقارير تشير إلى نية الشركة تقليص حجمها بنسبة قد تصل إلى 20%.
بالنظر إلى المسار الذي اتخذته الشركة منذ مطلع عام 2026، نجد سلسلة من الإغلاقات المتتالية:
إغلاق 3 استوديوهات للواقع الافتراضي (VR).
تقليص حاد في ميزانية قطاع المنصات الافتراضية (Metaverse).
تسريحات سابقة شملت مئات الموظفين في قسم Reality Labs.
هذا التراجع في طموحات "الميتافيرس" مقابل الاندفاع نحو "الذكاء الاصطناعي" يعكس تغييراً جذرياً في رؤية زوكربيرج للمستقبل، وهو تغيير يدفع ثمنه الموظفون بشكل مباشر.
تداعيات القرار على سوق التكنولوجيا
تأتي خطوة ميتا في وقت تشهد فيه شركات التقنية الكبرى ضغوطاً متزايدة بسبب تكاليف الأجهزة (مثل ارتفاع أسعار الرام لأجهزة الحاسوب) والمنافسة الشرسة في مجال الابتكار. إن رسالة ميتا للسوق واضحة: "الذكاء الاصطناعي أولاً، ولو على حساب الاستقرار الوظيفي".
بالنسبة للمستثمرين، قد تبدو هذه الخطوة إيجابية لرفع هوامش الربح، لكن بالنسبة لمجتمع المبرمجين والمبدعين، فإنها تثير تساؤلات أخلاقية حول مستقبل العمل في ظل الهيمنة المتزايدة للأتمتة.
بينما نستعد لمؤتمرات تقنية كبرى مثل Google I/O وWWDC 2026، تذكرنا "ميتا" بالوجه المظلم لهذا السباق التقني. إن الـ 8,000 عائلة التي تأثرت اليوم هي تذكير بأن التحول الرقمي الكبير لا يمر دون خسائر بشرية فادحة.

















0 تعليق