تختلف أهمية وخطر المسؤولية باختلاف آثارها ونتائجها، ومما لا شك فيه أن المسؤولية الملقاة على عاتق الأطباء تعتبر من أعظم المسؤوليات وأضخمها؛ لأنهم هم الأمناء على أرواح الناس وأبدانهم، وعلى أيديهم يتم الشفاء بإذن الله من أعضل الأمراض، وأشدها كما أن الخطأ منهم أو الإهمال كثيرًا ما يؤدي إلى تأخر الشفاء أو إلى الهلاك والموت.
حاجة الإنسان للطب والأطباء
وجدت مهنة الطب منذ آلاف السنين؛ لأن الإنسان في كل زمان ومكان يبحث عما يشفيه من مرضه، وقد يضحي في سبيل ذلك بكل ما يملك من أموال؛ إذ الصحة نعمة لا تعادلها نعمة ولا يعرف قيمتها معرفة تامة إلا الذين ذاقوا آلام المرض وجربوا متاعبه وهمومه، وفي الحديث الشريف: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ» رواه البخاري.
ولقد اقتضت رحمة الله تعالى بعباده أن يوجد في كل زمان ومكان أناس يوفقهم إلى معرفة الدواء الذي يؤدي إلى الشفاء من العلل والأسقام، وإذا كانت معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تتناسب مع ما برع فيه أقوامهم فإننا نجد أن معجزة عيسى عليه السلام كان هناك جانب كبير منها يتعلق بالطب؛ لأن الطب في زمنه عليه السلام كان على رأس المهن التي نبغ فيها قومه.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْني﴾ [المائدة: 110].
ولقد كان كتاب "القانون" في الطب للشيخ الرئيس ابن سينا المتوفى سنة 428هـ من المراجع الطبية الأصيلة في أوربا، ووصل الحال بهم أنهم كانوا لا يمنحون شهادة الطب للشخص إلا إذا كان مجيدًا لجميع النظريات التي اشتمل عليها هذا الكتاب النفيس الذي ترجم إلى اللغات المختلفة، ورحم الله القائل: "إن علم الطب قد دخل على أوربا بعمامة وعاد إلينا بعد حينٍ بقبعة"، والذي يراجع "مقدمة ابن خلدون" يجد كلامًا جيدًا عن علم الطب وعن مجالاته وعن طرق العلاج وعن أشهر المؤلفات التي ألفت في هذا العلم. راجع: "مقدمة ابن خلدون" (3/ 1441) بتعليق الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي.
أمرت شريعة الإسلام بالتداوي من الأمراض
لقد أمرت شريعة الإسلام بالتداوي من الأمراض ووضعت لذلك وسائل متعددة منها:
أ- البحث عن الدواء المناسب على يد الطبيب الثقة المشهود له بتخصصه في هذا الفن؛ فقد روى الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً»، وفي رواية: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»، أي: فإذا نزل الدواء على الداء بشرب أو غيره برأ المريض من علته بإذن الله تعالى.
ب- التحرز عن كل ما يؤدي إلى المرض عن طريق الحجر الصحي والابتعاد عمن يحمل الأمراض المعدية، روى الشيخان البخاري ومسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: "الطَّاعُونُ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ -أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ-، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ"، وعندما اختلف الصحابة في دخول بعض بلاد الشام التي ظهر بها الطاعون، قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: إن عندي من هذا علمًا؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ».
الصفات الكريمة التي يجب أن يتحلى بها الأطباء
إذا كانت هناك صفات كريمة وخلال حسنة يجب أن يتحلى بها الناس في تعاملهم مع غيرهم فإن أولى الناس بالتحلي بهذه الصفات الكريمة هم الأطباء، وعلى رأس هذه الصفات:
أ- الرحمة، ورقة القلب، ولين الجانب، وسعة الصدر؛ وذلك لأن الأطباء يتعاملون مع أناس قد داهمهم المرض واستشرى فيهم الداء الذي جعلهم لهم عذرهم إذا ما خرجوا عن وعيهم وعن ثباتهم، ومما لا شك فيه أن هؤلاء المرضى هم أولى الناس بالرعاية والرحمة والرفق ولا سيما من أطبائهم الأمناء عليهم، وإذا فقد الطبيب هذه الصفات يكون قد فقد أهم خصائص مهنته.
ب- كذلك من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الأطباء: صفة الأمانة بأشمل معانيها وبأوسع مدلولاتها؛ وذلك لأن الطبيب هو أدرى الناس بأحوال المريض وبوسائل علاجه فعليه أن يرشده إلى ما ينفعه بكل أمانة ودقة، وعلى أن لا يفشي سره إلا إذا كانت هناك ضرورة تستدعي ذلك وعليه أن يبذل قصارى جهده لراحة المريض والوصول به إلى طريق الشفاء.
أقوال الفقهاء في الشروط اللازمة لمن يتصدى لمهنة الطب
لقد وضع الفقهاء شروطًا لمن يتصدى للعمل بالطب وبينوا ما للأطباء من حقوق وما عليهم من واجبات وذكروا كثيرًا من العقوبات التي يعاقب بها من يتعدى حدود هذه المهنة السامية:
أ- ومن بين الشروط التي وضعوها لمن يعمل بمهنة الطب أن يكون عالمًا بها متخصصًا فيها خبيرًا بتفاصيلها ودقائقها وأنه يحجر على المتطبب الجاهل روى الأئمة أبو داود والترمذي وابن ماجه في "سننه" أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ»، ولقد جاء في كتاب "إخبار العلماء بأخبار الحكماء" للإمام القفطي (ص: 130): [أن الخليفة العباسي المقتدر أمر طبيبه سنان بن ثابت بن قرة الحراني أن يمتحن أطباء بغداد في وقته وأن يمنح من يرضاه في علمه وعمله إجازة لما يصلح أن يتصرف فيه من الطب، وقد كان هذا الأمر من الخليفة المقتدر على إثر خطأ طبيب في العلاج أفضى هذا الخطأ إلى موت المريض، ومما يذكر في هذا الشأن أن هذا الخليفة قد أمر محتسبه الذي هو بمنزلة وزير الداخلية في هذا الوقت أن يراعي ذلك، فلا يأذن لأحد بممارسة الطب إلا إذا كان مجازًا من طبيبه سنان بن ثابت الذي كانت وفاته سنة 331هـ] اهـ بتصرف.
ب- كما قرر الفقهاء أن الطبيب إذا أخطأ في العلاج بأن عالج بغير ما يقرره الطب أو بغير ما هو معروف ومشهور بين الأطباء بأنه دواء لمرض معين، وأدى ذلك إلى إلحاق أذى بالمريض أو إلى وفاته فعلى الطبيب في هذه الحالة الدية، أو ما يحكم به القاضي بالنسبة لهذا الخطأ، فقد قال الإمام الشهاب الرملي في تعليقه على كتاب "شرح الروض": ولو أخطأ الطبيب في المعالجة وحصل التلف وجبت الدية على عاقلته.


















0 تعليق