يعد الأزهر الشريف مؤسسة دينيّة علميّة إسلاميةٌ عريقةٌ تأسّست في العصر الفاطميّ، تحوّلت تدريجيًّا من مركز نشر المذهب الشيعيّ إلى صرحِ أهل السنّة بفضل جهود الدولة الأيوبيّة والمماليك. شهِد الأزهرُ تطوراتٍ كبيرةً في عهد العثمانيين، ومقاومة الاحتلال الفرنسيّ، ثم إصلاحات تعليمية وتشريعيّة شملت إنشاء نظام تعليميّ منظم وتأسيس جامعة الأزهر الحديثة، التي أصبحت تضمّ تخصصات علمية وطبية وتكنولوجيّة بالإضافة إلى العلوم الدينيةِ، مع انتشارٍ واسع في الداخلِ والخارجِ ودعمٍ مستمرٍّ للطلابِ والباحثين.
الأزهر الشريف: المؤسسة الدينية والعلمية الإسلامية
يسجل التاريخ أن الأزهر أُنشئ في أول عهد الدولة الفاطمية بمصر جامعًا باسم (جامع القاهرة الذي سُمِّي الأزهر فيما بعد)، حيث أُرسي حجر أساسه في الرابع والعشرين من جمادى الأولى ٣٥٩هـ/٩٧٠م، وصلى فيه الخليفة المعزّ لدين الله الفاطمي ثاني خلفاء الدولة الفاطمية صلاة الجمعة الأولى من شهر رمضان سنة ٣٦١هـ/٩٧٢م، إيذانًا باعتماده الجامع الرسمي للدولة الجديدة، ومقرًا لنشر المذهب الشيعي في حلقات الدروس التي انتظمت فيه، وبدأها القاضي أبو حنيفة بن محمد القيرواني قاضي الخليفة المعز لدين الله، وتولى التدريس أبناء هذا القاضي من بعده، وغيرهم من علماء المذهب الشيعي، بجانب علوم أخرى في الدين واللغة والقراءات والمنطق والفلك.
تحول الأزهر إلى مذهب أهل السنة
وبقيام الدولة الأيوبية في مصر (٥٦٧هـ) تحركت بكل الجهد لإزاحة المذهب الشيعي وطمس رسوم الدولة الفاطمية، وإحلال مذهب أهل السنة في جامع الأزهر، وفي عدة مدارس [أنشئت لتعزيزه ومنافسته في حركته المذهبية والعلمية الجديدة.
وفي العصر المملوكيّ بمصر اتجهت همة السلاطين من المماليك إلى إعمار الجامع الأزهر، وإسباغ الرعاية على علمائه وطلابه بالمنح والهبات والأوقاف، وأتيح للأزهريين المشاركة في النهضة العلمية والاجتماعية والثقافية في الدولة، وتصاعدت هذه المكانة إلى أن كان لهم دور أكثر في توجيه سياسة الحكم.
الأزهر في العهد العثماني والحملة الفرنسية
وفي عهد الخلافة العثمانية بتركيا: أُنشئ منصب (شيخ الأزهر) في أواخر القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، وحدث ركود نسبي إثر قيام السلطان سليم الأول العثماني بترحيل عدد من علماء الأزهر إلى الأستانة – عاصمة الدولة العثمانية – وكانوا طائفة صالحة من نواب القضاة على المذاهب السنية الأربعة، فضلًا عن ترحيل عدد كبير من الصناع المهرة والعمال الفنيين.
ثم جاءت الحملة الفرنسية على مصر سنة ١٧٩٨م، وفيما يخص الأزهر، أدرك نابليون بونابرت قائد الحملة مدى أهمية الأزهر، وقوة تأثير شيوخه في نفوس الشعب المصري، فحاول – ونجح – في التودد إلى طائفة منهم، وجعل ينتهز الفرصة تلو الفرصة للاجتماع بهم، ويتحدث إليهم في موضوعات علمية حول آي القرآن، ويشعرهم باحترامه لنبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم)، فيخرجون من عنده وكلهم لسان ثناء عليه، يشيعونه فيمن يخالطونهم.
وعندما أنشأ نابليون (ديوان القاهرة) مركزًا للشورى وتبادل الرأي، ضم إلى عضويته هؤلاء المشايخ، وكانوا أغلبية في المركز والاجتماعات.
لكن هذا لم يغِب عن الشعب المصري أن السياسة الفرنسية كانت سياسة خداع وتخدير؛ فثاروا على نابليون وقوادِه أكثر من ثورة، وشاركهم الأزهريون أنفسهم في ثوراتهم، بل كانوا في مقدمة الثائرين.
التطورات التشريعية وتنظيم التعليم بالأزهر
ولما استقرّ الأمر لدولة (محمد علي الكبير) واتجه إلى الاستفادة من الحضارة الأوروبية آنذاك، واتجه إلى إرسال البعوث العسكرية والمدنية إلى إيطاليا وفرنسا وروسيا وغيرها، اختار أعضاءها جميعًا من الأزهريين، وبعودتهم تباعًا انبعثت في مصر - في عهده وعهود أبنائه - حركة علمية ناشطة، غطت ساحات العمل الميداني من ناحية، وساحات الترجمة والتعليم والإعلام والقانون من ناحية أخرى.
وحتى ذلك التاريخ كان التعليم في الأزهر قائمًا على الاختيار الحر، بحيث يختار الطالب أستاذه ويختار الأستاذ المادة التي يقوم بتدريسها، أو الكتاب الذي يقرؤه لطلابه، ويعرض نصوصه نصًا نصًا، فإذا أتم الطالب حفظه من علم الأستاذ، وآنس من نفسه التجويد تقدم لأستاذه ليمتحنه مشافهة، فإذا أظهر استيعابًا ونبوغًا منحه الأستاذ إجازة علمية مكتوبة، وكانت هذه الإجازة كافية لصلاحه بأن يشتغل بالتدريس في المدارس أو في المساجد أو في جامع الأزهر نفسه، وظل العمل على ذلك حتى أواخر القرن التاسع عشر، حيث استعيض عنه بنظام التعليم الحديث، أو بنظام قريب منه بحسب الأحوال. واكب ذلك إصدار عدة قوانين لتنظيم العمل بالأزهر.
وفي بداية القرن العشرين استصدر قانون سنة ١٩٠٨ في عهد المشيخة الثانية للشيخ حسونة النواوي، وفيه تم تأليف مجلس عالٍ لإدارة الأزهر برئاسة شيخ الأزهر، وعضوية كل من مفتي الديار المصرية، وشيوخ المذهب المالكي والحنبلي والشافعي واثنين من الموظفين.


















0 تعليق