خبراء: الحوكمة ونسف البيروقرطية والعشوائية وسائل إغلاق هذا الملف
مطالب بإنشاء قاعدة بيانات وتقديم الطلبات إلكترونيًّا وتحديد مدة نهائية للبت فى الطلبات
مليونا طلب تصالح تم تقديمهما حتى الآن والبت شمل أكثر من النصف قليلًا
ملف التصالح فى مخالفات البناء يعد أحد أهم الملفات التى تعمل الدولة على تنظيمها خلال السنوات الأخيرة، فى إطار خطة شاملة لضبط العمران ومنع العشوائية، مع توفير حلول قانونية مرنة تتيح تقنين الأوضاع بدلا من الإزالة الكاملة فى الحالات القابلة للتصالح.
ومؤخرا وجه رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى بتيسير إجراءات التصالح فى مخالفات البناء؛ سعيا لغلق هذا الملف تماما فى أقرب وقت ممكن.
وأصدر مدبولى، قرارًا بمد الفترة المقررة لتقديم طلبات التصالح فى مخالفات البناء وفقًا للقانون رقم 187 لسنة 2023 لمدة 6 أشهر إضافية، تبدأ من 5 مايو 2026.
ويهدف هذا القرار إلى إتاحة فرصة أكبر للمواطنين لتقنين أوضاعهم وإغلاق هذا الملف نهائيًا فى أسرع وقت ممكن.
ويأتى القرار ضمن جهود الدولة المستمرة لمعالجة ملف مخالفات البناء، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على حقوق الدولة وتنظيم العمران، مع مراعاة أوضاع المواطنين الراغبين فى التصالح وفق ضوابط قانونية واضحة
مليونا طلب
وأشارت وزارة التنمية المحلية فى بياناتها إلى أن الحكومة استقبلت أكثر من مليونى طلب تصالح تم البت فى مليون و970 ألف منها.
وتختلف قيمة التصالح فى مخالفات البناء حسب المنطقة (قرية/مدينة) والمستوى الحضارى والخدمات. ويتم سداد جدية تصالح لا تتجاوز 25%، مع إتاحة تقسيط المبلغ حتى 5 سنوات بفائدة 7% إذا زادت المدة عن 3 سنوات، أو خصم 25% عند السداد الفورى.
وسمح القانون بحالات يجوز التصالح فيها مثل تجاوز الارتفاعات بشروط، والبناء على أراضى الدولة بعد تقنين وضع اليد، وتغيير الاستخدام فى المناطق غير المخططة، والمخالفات الإنشائية بعد سلامة الهيكل الإنشائى.
وحظر القانون التصالح فى بعض الحالات مثل الأعمال المخلة بالسلامة الإنشائية، والبناء على الأراضى الخاضعة لقانون حماية الآثار ونهر النيل.
جدية
الخبراء أكدوا أن إنهاء ملف التصالح يحتاج إلى جدية فى البت فى الطلبات القديمة أولا ثم استقبال طلبات جديدة، مع تدريب وتثقيف موظفى الإدارات المحلية على بنود قانون التصالح، من أجل إنهاء الإجراءات بسهولة وسرعة بدلا من استغراقهم وقتا طويلا فى فحص الملفات، فضلا عن ضرورة مراجعة الموظفين للطلبات بشكل جيد قبل الموافقة عليها، مشيرين إلى وجود نوع من العشوائية وعدم الحوكمة فى التعامل مع هذا الملف.
من جهته، قال الدكتور الحسين حسان، خبير التطوير الحضارى والتنمية المستدامة، إن العدد الفعلى الذى لم يتقدم للتصالح أكثر من مليونين.
وأضاف حسان، أن مسألة التصالح لها شقان الأول جزء متعلق بالإدارات المحلية وجزء متعلق بالمجتمعات العمرانية، أما فيما يتعلق بالمجتمعات العمرانية فإن الأداء فيها جيد وهناك انتظام بنسبة 90% فى أدائها بملف التصالح، لأنها تمتلك الأدوات اللازمة لذلك، لكن الوضع يختلف فى الإدارات المحلية لأنها محكومة بقانون 119 لسنة 2008 الذى ينظم حركة البناء، وما قبل 2008 لا نمتلك أى بيانات أو قاعدة بيانات خاصة بالمبانى وهنا الإشكالية.
وأوضح خبير التطوير الحضارى والتنمية المستدامة، أنه كانت هناك مبادرات بدأت مع قانون التصالح فى البداية وهذه المبادرات اختفت، مثل مبادرة «التصالح حياة»، وكانت تقوم عليها بعض الأحزاب وبعض الجهات فى دعم غير القادرين فى ملف التصالح، لكننا فوجئنا بأنها اختفت، بالإضافة إلى ذلك لم يتم وضع أى تيسيرات إلا التقسيط فقط لا غير.
غياب الحوكمة والعشوائية وجهل الموظفين بالقانون من أبرز أسباب فشل ملف التصالح فى مخالفات البناء حتى الآن، بحسب الحسين حسان، الذى أشار إلى أن هناك عددا ليس بالقليل من الموظفين لا يعرفون مواد القانون الذى من المفترض أنهم يتعاملون به، وفى كثير من الأحيان يتسلم الموظف الطلب من المواطن ويؤكد له أنه كامل، ثم بعد ذلك يتم الاتصال بالمواطن لإبلاغه بأن هناك أوراقا ومستندات ناقصة لم يستكملها موضحا: «عندما تتجه لإدارة محلية معينة ستجد أكواما من الملفات الملقاة وبالتالى الأمر عشوائى بشكل كبير».
وأوضح حسان، أنه من ضمن الأسباب أيضا عدم تحديد الأحوزة العمرانية، فإذا وجد شخص أن جمبع من حوله فى المنطقة قام بالبناء ولم يبقَ غيره فقط، ثم يذهب للحى للحصول على رخصة بناء، فيجد أنه لا يستطيع الحصول على رخصة، رغم أن كل ما حوله تم بناؤه بالفعل، وهذه مشكلة فى القانون يجب حلها ويعانى منها الكثير، قائلا «يعنى لو انت محاط بمخالفات مبنية وانت راجل محترم ما عملتش أى حاجة، لا ده إنت تبقى كارثة لو فكرت إنك تبنى فى النص رغم أن كل اللى حواليك مخالف».
وأشار خبير التطوير الحضارى والتنمية المستدامة، إلى أن تحديد الأحوزة العمرانية من اختصاص وزارة الزراعة، فمثلا لو كانت قطعة أرض زراعية بها كم كبير من المخالفات البنائية فمن المفترض أنها تدخل حيزا عمرانيا ويصدر بها قرار، وهناك عزب بالكامل تحتاج لمثل هذه القرارات لكن الوزارة متأخرة فى هذا الأمر.
وذكر حسان، أن حل مشاكل ملف التصالح فى مخالفات البناء يتمثل فى ضرورة الحوكمة وإنهاء العشوائية، وإنشاء قاعدة بيانات ورقم قومى لكل عقار
مشاكل القانون
فيما قال محيى النواوى، المحامى وعضو تنسيقية شباب الأحزاب، إن قانون البناء رقم 119 لعام 2008 كان يعالج مخالفات البناء فى مصر، إما بإزالات أو بغرامات وكنا نرى مشاهد من نوعية إلقاء البعض أنفسهم على اللودر لعدم إزالة المنزل.
وأضاف النواوى، أنه بعد ذلك صدر القانون رقم 17 لسنة 2019 وتضمن التصالح فى بعض مخالفات البناء، والبعض الآخر تعدى على أملاك الدولة لا يجوز فيها التصالح، ووضع مبالغ تدفع كجدية تصالح على هذه الأمور.
وتابع النواوى، «بعد ذلك تم تعديل القانون لاستيعاب أعداد أكبر بالقانون رقم 1 لسنة 2020 تم فيه مد فترة التصالح وتقليل الأموال، لأنه كانت هناك مناطق تدفع جدية تصالح كبيرة ومناطق أخرى تدفع مبالغ قليلة فتم معالجة هذا فى القانون رقم 1 لسنة 2020، ومنح مهلة أكبر لمن يريد تقديم طلبات تصالح، مع الحصول على نموذج 3 ثم نموذج 6 ثم نموذج 10 المتعارف عليها».
وأوضح النواوى، أن كثرة تعديلات القانون ناتجة عن كثرة المخالفات والعشوائيات، مع رغبة الدولة فى الوقت نفسه لاستيعاب العدد الكبير من المواطنين الراغبين فى التصالح وعدم إزالة المبانى أو حبس المخالفين.
ومن ضمن أسباب مشاكل قانون التصالح أيضا أن بعض طلبات التصالح كانت تضيع، فالبعض كان يتقدم بطلب تصالح ولا يتم الرد عليه ويقال لصاحب الطلب إنه ضاع، وبالتالى لا بد من حوكمة هذا الملف، وأن يكون التقديم إلكترونيا منعا لضياع الملفات، وإعلان شروط التصالح والتقنين فى كل محافظة بشكل واضح، مع تقسيم المناطق إلى اقتصادية ومتوسطة كما حدث فى قانون الإيجار القديم، بحسب محيى النواوى المحامى.
واختتم حديثه قائلا: «الحل يتمثل فى الحوكمة ووجود قاعدة بيانات دقيقة وتبسيط الإجراءات وتحديد مدة معينة ونهائية للبت فى طلب التصالح، ومن ينطبق عليه الشروط يتم التصالح معه، ومن لا ينطبق عليه يتم رفض الطلب
تعديلات.
وقال صبرى الجندى مستشار وزير التنمية المحلية سابقا، إن قانون التصالح تم تعديله أكثر من مرة للأسف، ورئيس الوزراء قرر مد مهلة تقديم الطلبات 6 أشهر من جديد.
وأضاف الجندى، أن أهم سبب يؤدى إلى أن المواطنين لا يتقدمون بطلبات للتصالح هو قرارات المد المتتالية وعدم البت فى الطلبات القديمة حتى الآن، فلو انك مخالف وتقدمت بطلب فى النسخة الأولى من القانون ودفعت 25% جدية التصالح وفات تقريبا 9 سنوات على النسخة الأولى وحتى الآن لم يتم التصالح والبت فى الطلب، فبالتالى من يريد تقديم طلب تصالح يقرر عدم الذهاب للوحدة المحلية لأنه يعلم أن الطلب لن يتم البت فيه مثلما حدث فى المرات السابقة.
وأوضح مستشار وزير التنمية المحلية سابقا، أن جزءا من المشكلة يتمثل فى صعوبة بعض الإجراءات المطلوبة فى طلب التصالح من الإدارات المحلية، كما أنه لم يعد هناك حافز لتقديم طلبات التصالح بعد إعلان الحكومة أنه لن يكون هناك إزالة أو قطع للمرافق فضلا عن أن المواطن يعلم أن الحكومة ستقوم بمد المهلة فى كل مرة قبل انتهاء المهلة السابقة.
وتابع، «لذلك ومن وأجل إنهاء هذا الملف لا بد من البت فى طلبات التصالح القديمة المقدمة من سنوات للحكومة بجدية وتشكيل لجان معاينة لكل طلب، ثم استقبال طلبات جديدة».
وأكد الجندى، أن المشكلة مزدوجة عند الحكومة والإدارات المحلية من جهة والمواطن من جهة أخرى، خاصة أن هناك موظفين لا يراجعون ملفات التصالح جيدا عند استلامها من المواطن ويكتشفون الخطأ بعد ذلك ثم إبلاغ المواطن بالورقة أو المستند الناقص، والذى يستغرق وقتا طويلا بالتأكيد لاستخراجه، ثم يتم دراسته من اللجان المشكلة، وهكذا يستغرق الطلب وقتا طويلا للبت فيه، وهذه مشكلة كبيرة يجب حلها، قائلا «كل الإجراءات العقيمة والصعبة لا بد من حلها، وأولها ضرورة مراجعة الموظفين طلبات التصالح جيدا قبل استلامها من المواطن حتى لا تستغرق وقتا طويلا فيما بعد».

















0 تعليق