قلت إن هناك مستفيدين من الحرب على إيران ومن كل حرب يتم إشعالها، فى مقدمتهم مصانع السلاح فى أمريكا ودول أوروبا بجانب شركات تكنولوجيا المعلومات، ومن المستفيدين أيضًا الرئيس الأمريكى ونظيره الإسرائيلى، لتكريس مكانتهم وضمان التفاف الشعب حولهم من خلال خلق فزاعات الأعداء الخارجيين وتضخيم المخاوف غير الحقيقية منهم من خلال ما يسمى بـ«الهروب إلى الأمام»، وهى استراتيجية سياسية معروفة، يقوم من خلالها قادة وزعماء الأنظمة فى الدول بعمل تكتيك لصناعة صراعات خارجية للتغطية على فشل سياستهم الداخلية، خاصة عند مواجهتهم أزمات اقتصادية، سياسية، أو اجتماعية حادة داخل بلدانهم، فيتم على الفور إطلاق استراتيجية «الهروب للأمام» لتحويل أنظار الرأى العام عن الإخفاقات المحلية وامتصاص الصدمة، عن طريق توحيد الجبهة الداخلية ضد «عدو خارجي» مُتخيّل أى غير حقيقى يتم اختلاقه أو تضخيم تهديداته الخارجية وافتعال العداوات معه، واتهام جهات خارجية بالتآمر لزعزعة استقرار البلاد.
وهو تمامًا ما فعلته أمريكا مع عدد من الدول الخارجية إبان فترات أزماتها الداخلية، على مدى العقود الماضية، ففى عهد جورج بوش الابن، ارتكب إخفاقات داخلية هائلة خفضت شعبيته وهددت بوجوده فى البيت الأبيض وعلى رأسها مشاكل فى ضريبة الدخل، التوسع فى تطبيق التأمين الصحى الخاص المكلف للمواطنين، زيادة الإنفاق العسكرى، تضخم مشاكل الإسكان وأزمة الرهن العقارى الثانوى، ظهور ركود اقتصادى كبير، فكان لا بد من تحويل أنظار الشعب عن الأزمات الداخلية، فوقعت أحداث 11 سبتمبر عام 2001 بتفجير برجى التجارة العالمية فى أمريكا «والتى تكشف فيما بعد تورط أمريكا نفسها فيها لتخلق ذريعة لحرب خارجية»، فكانت حرب أمريكا على أفغانستان بعلة أنها معقل للجماعات المتطرفة وملاذ لأسامة بن لادن -الذى دعمته أمريكا أصلًا من قبل مع حركة طالبان لمحاربة السوفييت فى أفغانستان- وبالفعل أسهمت الحرب ضد أفغانستان وتضخيم العدو المتمثل فى القاعدة وحركة طالبان فى تعزيز شعبية بوش المتهالكة داخليًا وتوحيد الأمريكيين خلف إدارته.
ثم انتقلت استراتيجية أمريكا «الهروب إلى الأمام» بعد ذلك إلى محاولة إعادة بناء نظام الشرق الأوسط الكبير بدعم رئيس الوزراء الإسرائيلى «ارئيل شارون من خلال» تنفيذ «عملية الدرع الواقي» فى أبريل 2002 واجتاح شارون المدن الفلسطينية الرئيسية فى الضفة التى كانت تحت إدارة السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات «أوسلو» وقام باحتلالها، ثم توجهت أمريكا بعد هذا للحرب على العراق واحتلالها، بجانب فتح جبهة سياسية ايدلوجية ضد الدول العربية تحت شعار «الإصلاح والديمقراطية».
ويتطابق الأمر تماما بالنسبة لإسرائيل حيث أثبت «نتنياهو» فشله العسكرى وأيضًا السياسى فى غزة رغم كل الخسائر البشرية والمادية التى تكبدتها غزة، إلا أنه على أرض الواقع لم يحقق «نتيناهو» هدفه الرئيسى بمحو غزة من الخارطة وتهجير أهلها إلى مصر لاستيطان سيناء، والفاتورة العسكرية الاقتصادية الهائلة التى دفعتها إسرائيل فى حربها على غزة أثرت على الأوضاع الاقتصادية الداخلية بشدة، بالتالى كان يجب خلق أو تحريك المخاوف من عدو آخر وهو إيران، فكانت الحرب، بجانب سعيها لتحقيق حلمها فى التوسع وإعلان إسرائيل الكبرى من النيل للفرات.
يعتقد نتنياهو أنه سيستفيد أيضًا من الحرب على إيران بارتفاع أسهمه، فالانتخابات العامة فى إسرائيل على الأبواب، وهو بحاجة كبيرة لتقديم إنجاز أمام الجمهور للتغطية على فشله وخسائره فى حرب غزة، ويعتقد أن إسقاطه للنظام الإيرانى سيمكنه من تقديم قربان للشعب لإنقاذ أسهمه وشعبيته، ولكن مع مكاسب هؤلاء فى الحرب على إيران، هناك خاسر كبير، وهو غزة، بل فلسطين ككل، للأسف نجحت إسرائيل بهذه الحرب فى إزاحة الصورة عن ما يحدث حتى الآن فى غزة، وفى المقابل كسبت إسرائيل إثباتها أمام منطقة الشرق الأوسط بل العالم كله أنها قادرة على فتح أكثر من جبهة للصراع معها ومحاربتها دون أن تبدى ضعفًا أو انهيارًا مهزومًا، فجبهتها مع غزة لا تزال مفتوحة، وها هى الآن جبهتها مع إيران والتى تلاها فتح جبهة للحرب ضد لبنان، وهو ما يبعث رسالة للداخل الإسرائيلى وللمجتمع الدولى بأن الجيش الإسرائيلى لديه قدرات للصمود على أكثر من جبهة على غير الحقيقة تمامًا.
الآن عرفنا المستفيد الحقيقى من هذه الحرب، أما خسائر أمريكا المالية ومن خلفها إسرائيل، فستدفع دول الخليج ثمنها وتعويضاتها ولا عزاء لإيران ولا فلسطين ولا باقى الدول التى تضررت.

















0 تعليق