وسام نصر تطرح السؤال الصعب: هل الإعلام الرقمي "جسر" للارتباط أم "أداة" للاستقطاب؟

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

وسام نصر: الإنسان هو "الترمومتر".. سلوك المستخدم يحدد أثر الإعلام الرقمي على المجتمع.

تساءالت الدكتورة وسام نصرعميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة، في مطلع حديثها سؤالا: "هل الإعلام الرقمي يزيد أم يقلل من التماسك الاجتماعي؟"، وفي هذا السياق تتباين الرؤى حول تأثير الإعلام الرقمي على التماسك الاجتماعي؛ فبينما يرى اتجاه أن وسائل الإعلام الرقمية قد يكون لها تأثير سلبي على التماسك الاجتماعي من خلال زيادة الاستقطاب وتفكك الروابط التقليدية، يرى اتجاه آخر أنها على العكس تمامًا قد تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي ودعم الروابط والعلاقات الاجتماعية من خلال توسيع دوائر التواصل وإتاحة مساحات أوسع للتفاعل وتبادل الخبرات.

وقالت إن المسألة لا يمكن الحكم عليها بشكل مطلق، إذ ترتبط بجوهر الإنسان ذاته، وكيفية استخدامه لوسائل الإعلام، وبمنظومة القيم التي تحكم هذا الاستخدام وتوجهه، حيث لا تتعلق القضية بالأداة الإعلامية في حد ذاتها بقدر ما تتعلق بسلوك المستخدم وأنماط توظيفه لهذه الوسائل. فالجميع يدخل إلى هذه المنصات عبر نفس البنية التقنية تقريبًا، لكن يختلفون في أساليب التلقي والتفاعل والاستخدام. ومن ثم فإن التفاعل مع وسائل الإعلام الرقمية لا يكون موحدًا، بل يختلف من شخص لآخر، وهو ما ينعكس بدوره على طبيعة الفهم والتأويل والتأثير الناتج عن المحتوى الإعلامي.

وأضافت أن هناك فرقا بين التماسك الاجتماعي والتماسك الشبكي عبر الانترنت والذي يفتقر إلى العمق، ويتسم بالعاطفة، وعدم الاستمرارية. 

ودعت إلى ضرورة وجود رؤية استراتيجية موحدة في التعامل مع الفضاء الرقمي تسهم فيها جهات عدة مثل كلية الاعلام جامعة القاهرة ومكتبة الإسكندرية ووزارة الإعلام وغيرهم من الجهات المعنية وقياس مؤشرات الأداء.

جاء ذلك خلال الندوة التى نظمتها مكتبة الاسكندرية بعنوان «التماسك الاجتماعي في ضوء تحديات الفضاء الرقمي»، وذلك في إطار اهتمامها بمناقشة القضايا المجتمعية المرتبطة بالتحول الرقمي وتأثيراته المتسارعة.

وخلال الندوة، أشار  الدكتور ياسر عبد العزيز، إلى مفهوم “القرية الكونية” الذي طرحه المفكر مارشال ماكلوهان يبدو وكأنه يتحقق على مستوى الاتصال والتكنولوجيا، حيث أصبح من الممكن متابعة الأحداث العالمية لحظة بلحظة والتواصل الفوري عبر مختلف المنصات الرقمية دون قيود مكانية أو زمنية.

طرح المتحدث تساؤلات حول مدى تحقق هذا التصور بشكل كامل، موضحًا أن الواقع الحالي لا يعكس قرية كونية متجانسة بقدر ما يعكس حالة من "التجزؤ الرقمي"، حيث يعيش الأفراد داخل عوالم معلوماتية مغلقة نسبيًا، تُعرف بـ "فقاعات المعلومات" و“غرف الصدى”.

وأوضح أن الأفراد، رغم وجودهم داخل المجتمع نفسه، قد يتعرضون لمحتويات رقمية مختلفة تمامًا، تعزز توجهاتهم المسبقة وتحد من انفتاحهم على وجهات النظر الأخرى، حتى في ظل التواجد المادي المشترك، وهو ما يؤدي إلى تعزيز الانحيازات الفكرية وتكرار نفس الأفكار داخل دائرة مغلقة.

وحذر عبد العزيز من أن هذا النمط قد يحد من التنوع الفكري داخل المجتمعات الرقمية، ويزيد من حالات الاستقطاب، حيث يتوهم المستخدم أن رؤيته هي السائدة نتيجة تعرضه المستمر لمحتوى يعزز اتجاهه فقط.

وأشار إلى أن هذا الموضوع يحظى باهتمام واسع في دراسات الإعلام الرقمي الحديثة، خاصة في الأدبيات الأكاديمية الغربية التي تناولت تأثير الخوارزميات على تشكيل الوعي العام وسلوك المستخدمين في الفضاء الرقمي. واختتم كلمته بالتأكيد على أهمية تعزيز الوعي الإعلامي والنقدي لدى المستخدمين، لمواجهة تحديات البيئة الرقمية الحديثة وتحقيق توازن بين الانفتاح الرقمي والحفاظ على التماسك الاجتماعي.

 

ومن جانبها أوضحت الدكتورة بسنت مراد، أن التماسك الاجتماعي يقوم على قوة الروابط والشعور بالانتماء والثقة بين أفراد المجتمع، مع التمييز بين التماسك الأفقي بين الأفراد، والتماسك الرأسي بين المجتمع ومؤسسات الدولة. وتناولت المتحدثة عددا من الظواهر السلبية في التعامل مع الفضاء الرقمي، وتأثيراتها الاجتماعية السلبية مثل تجاهل الشخص المقابل أثناء التفاعل المباشر بسبب الانشغال بالهاتف المحمول، حيث يؤدي ذلك إلى تراجع جودة التواصل المباشر ويخلق نوعا من العزلة الاجتماعية.

وأضافت أن تكرار هذا السلوك داخل الأسرة أو المجتمع قد يؤدي إلى ضعف العلاقات الاجتماعية وتراجع الثقة بين الأفراد، خاصة مع تحول استخدام الهاتف إلى سلوك مزمن أثناء التفاعل الاجتماعي. واختتمت كلمتها بالتأكيد على ضرورة زيادة الوعي بتأثير الاستخدام اليومي للتكنولوجيا على العلاقات الإنسانية والتماسك الاجتماعي.

هذا وتأتي هذه الندوة ضمن سلسلة حوارات الاسكندرية التي تطلقها المكتبة بهدف دعم الحوار المجتمعي في مناقشة القضايا الاجتماعية لبناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق