حكم وضوء كبير السنّ الذي تنزل منه قطرات بول لعذر

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من المقرر شرعًا أن رفعَ الحرج أصلٌ كليٌّ من أصول الشريعة الإسلامية، دلَّت عليه نصوصُ الكتاب والسنة، وانعقد عليه إجماعُ الأمة، واستقرَّ تقريرُه في مباحث الأصول والقواعد الفقهية، ومقتضى هذا الأصل أن الشارع لا يُكلِّف بما يخرج عن حدِّ الوسع والطاقة، وأن الأحكام الشرعية وُضِعَت ابتداءً على التيسير ورفع العنت، لا على التضييق والإعنات، تحقيقًا لمقصود الامتثال مع القدرة.

رفع الحرج في مسألة الطهارة للصلاة في حق أصحاب الأعذار

يقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال أيضًا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].

قال الإمام القرطبي في "تفسيره" (12/ 100، ط. دار الكتب المصرية): [قوله تعالى: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾. أي: من ضيق وقد تقدم في "الأنعام". وهذه الآية تدخل في كثير من الأحكام، وهي مما خص الله بها هذه الأمة] اهـ.

وعلى هذا الأصل الكلي يتفرع بابُ الرخص الشرعية التي هي من أوضح تطبيقات رفع الحرج في الفقه الإسلامي، بل هي مظهرٌ عمليٌّ لتنزيل هذا الأصل على الوقائع والأحوال المختلفة، من غير إخلال بمقصود التكليف ولا نقض لأصل الامتثال.

وهذا داخل في أبواب الفقه عامة وفي العبادات خاصة، والتي منها مسألة الطهارة للصلاة ونحوها، فيشترط طهارةُ البدن والثوب من الحدث والنجس الذي لا يُعفى عنه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، وقال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4].

وهذه الطهارة وإن كانت متقدمة على الصلاة إلا أنَّه يُشترط دوامُها إلى الفراغ من الصلاة، فلا تصح مع انتقاضها في أثنائها، ولا يرتفع حكمُ الطهارة في حال الصحة إلا بحدوث ناقضٍ من نواقض الوضوء، وأصلُها ما يخرج من السبيلين: القبل أو الدبر، كالبول والغائط والريح، ويلحق بذلك سائرُ الأحداث المقرَّرة شرعًا مما يوجب انتقاض الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: 43].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» متفق عليه.

وقد يطرأ على المكلَّف عارضٌ مرضيٌّ يُفْضي إلى استدامة الحدث، يُعَبَّر عنه في اصطلاح الفقهاء بالسَّلَس، وحقيقته: استرسالُ الخارج من أحد السبيلين أو كليهما، من بولٍ أو غائطٍ أو مذيٍ أو منيٍّ أو وديٍ أو ريح، أو دم للمرأة، على وجهٍ يغلب ولا ينضبط، بحيث لا يملك صاحبه إمساكه، ولا يتمكن من التحرز عنه زمنًا يتسع للطهارة المشروطة والصلاة مع استدامتها، فيكون الحدثُ حينئذٍ لازمًا أو في حكم اللازم، غير منقطعٍ انقطاعًا معتبرًا شرعًا.

وهذا الوصف يُنزَّل منزلة العجز الحقيقي عن استيفاء شرط الطهارة واستدامتها، فيلحق صاحبه بأصحاب الأعذار في نظر الشارع؛ لما يترتب على إلزامه بالشرط من الحرج البالغ والمشقة الخارجة عن المعتاد.

وقد تقرر في القواعد أن "العجز مسقط للشرط"، وأن "ما لا يُستطاع لا يُكلَّف به"، ينظر: "الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم (3/ 18، ط. دار الآفاق الجديدة)، مع بقاء أصل التكليف بحسب الإمكان، فلا يُطالَب صاحب السلس بدوام الطهارة؛ لتعذره في حقه، ولا يُنَزَّل الحدثُ الدائم منزلة الحدث الطارئ القابل للدفع.

وعلى هذا عفا الشارع عن الحدث المستمر في حقه للحاجة، وأُجيز له الدخول في الصلاة مع قيام سببه، بعد الإتيان بما يمكنه من أسباب الطهارة على وجهٍ معتبر، ما دام العذر قائمًا غير مرتفع، فيصلي على حاله، لا سقوطًا للعبادة، بل تحقيقًا لمقصودها على قدر الاستطاعة، وجريًا على مقتضى القواعد الكلية المعتبرة في باب التكليف.

قال أكمل الدين البابرتي الحنفي في "العناية" (1/ 179، ط. دار الفكر): [(ومن به سلس البول) وهو من لا يقدر على إمساكه (والرعاف) الدم الخارج من الأنف (والجرح الذي لا يرقأ) أي الذي لا يسكن دمه من رقأ الدم سكن. وقوله: (يتوضئون لوقت كل صلاة) هو حكم المسألة (فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل) والواجبات والنذور عندنا] اهـ.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق