المعيلات.. نساء على حافة الحياة

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

«أمرأة تعول» عبارة تبدو عادية، لكنها فى الواقع مفتاح باب جهنم لآلاف النساء اللاتى وجدن أنفسهن فجأة أو قسراً فى مواجهة حياة لم يخترنها، خلف هذا الوصف تختبئ حكايات موجعة لنساء يحملن فوق اكتافهن أعباء لم يخلقن لها، ويخضن يومياً معارك صامتة من أجل البقاء، لا من أجل الأحلام، هن لسن حالة واحدة، بل جوهاً متعددة للمعاناة، أرامل سرق منهن السند فوجدن أنفسهن فى مواجهة الحياة بمفردهن، مطلقات يواجهن قسوة المجتمع قبل قسوة الظروف، وزوجات لأشباه رجال غائبين رغم وجودهم، تخلوا عن مسئولياتهم، فتركوا النساء فى قلب العاصفة دون حماية.

يردد المجتمع عبارة «ست بـ100 راجل» باعتبارها إشادة بقوة المرأة، لكنها فى الحقيقة تحمل قدراً من الظلم والإهانة وليست مديحا، فهذه الجملة فى زمن كان الرجل يتحمل فيه مسئوليته، وكانت المرأة تقف إلى جواره داعمة، لا بديلة عنه، أما اليوم، حين تصبح المرأة معيلة لأن الرجل تقاعس أو تخلى أو أنه «نطع» كما تصفه بعض النساء، فإن ترديد هذا الوصف لا يعد تكريماً، بل إهانة مضاعفة لأنه يجمل واقعاً قائماً على خلل، ويحول المعاناة إلى بطولة زائفة، فالمرأة المعيلة ليست «بمائة رجل» بل امرأة مقهورة، تحاول الطفو فى بحر ممتلئ بالألم والضغوط، تقاوم الغرق يوماً بعد يوم، من أجل أن تبقى أبناءها قيد الأمان، لا أن تتركهم فريسة لواقع قد يدفعهم إلى أبواب الجحيم، إنها أم تؤدى دورين، وتدفع ثمن غياب طرف كان من المفترض أن يشاركها الطريق، لا أن يتركها وحدها فيه.

7c311af2c8.jpg

هذا التحقيق يفتح دفتر أحوال المعيلات ليكشف ما وراءه من وجع لا يحتمل 

أم حامد.. رحلة شقاء يومية من أجل البقاء

تروى «أم حامد» بائعة الخضار، صاحبة واحدة من أكثر الحكايات قسوة بين النساء المعيلات اللاتى التقينا بها، فهى أم لخمسة بنات وولد، تبدأ يومها قبل الفجر، حيث تتوجه إلى سوق الجملة لشراء الخضروات، ثم تعود إلى قريتها بالجيزة لتفترش أحد الأرصفة لتوفر قوت يومها وتعليم أبنائها.

تقول بصوت مرهق «خايفة أموت من التعب، لكن عمرى ما برتاح العيال لازم تاكل وتتعلم»

ورغم هذا الكفاح، لا تجد دعماً من زوجها، بل على العكس، تؤكد أنه لا ينفق على الأسرة، بل يأخذ من دخلها القليل، ويعاملها بقسوة فى ظل غياب أى سند حقيقى، حتى من أسرتها، حيث لم تجد دعماً من شقيقها الذى يطالبها دائماً بالعودة إلى منزل الزوجية.

وتوضح أنها مدينة لتجار الخضار، بينما تواجه صعوبة فى استكمال تعليم أبنائها، خاصة بعد فسخ خطبة ابنتها الكبرى 17 عاماً لعدم قدرتها على تجهيزها.

وتقول بحسرة «نفسى أكمل تعليم بناتى بس مش عارفة أعمل إيه».

ورغم معاناتها مع مرض السكرى، وضغوط العمل، لم تتوقف عن الكفاح، بل زاد العبء عليها بعد مرض زوجها وإجرائه عملية فى القلب، وإصابته بمشكلات فى الرئة، ورغم قسوته عليها إلا أنها مسئولة أيضاً عن تكاليف علاجه التى تصل إلى نحو ألف جنيه شهرياً.

مروة.. موظفة مجبرة على تحمل كل الأعباء

تروى مروة وهى موظفة وأم لطفلين، تفاصيل معاناة مختلفة، بدأت منذ الأيام الأولى لزواجها، حين ألزمها زوجها بالمشاركة الكاملة فى مصروفات المنزل قائلة: «من أول يوم قال لى بتشتغلى يبقى تصرفى وافقت، لكن مع الوقت لقيت نفسى شايلة كل حاجة لوحدى».

وتوضح أن مساهمة الزوج تقتصر على جزء بسيط، بينما يطالبها بالحصول على راتبها بالكامل، ويتولى هو توزيع «مصروف البيت»، فى وضع تصفه بغير العادل، خاصة مع رفضه منحها أى مساحة للتصرف فى دخلها الشخصى.

وتضيف أن أى محاولة منها للاحتفاظ بجزء من راتبها تقابل بغضب شديد، لتجد نفسها تحت ضغط مستمر، لا يقتصر على الجانب المادى فقط، بل يمتد إلى صحتها أيضاً، فحتى فى أوقات المرض أو بعد الولادة، لم تجد دعماً يذكر، إذ يرفض زوجها حصولها على إجازة، ويجبرها على الاستمرار فى العمل دون مراعاة لظروفها.

وتشير إلى أن تدخلات والدة الزوج تزيد من حدة الخلافات، ووصفتها بأنها سبب رئيسى فى تفاقم المشكلات بينهما.

ورغم تفكيرها المتكرر فى الابتعاد، تقول نفسى آخد ولادى وأمشى بعيد بس مش لاقية مكان أروح له، والإيجارات بقت غالية جداً، وكمان هم مش هيسيبونى فى حالى، مشيرة إلى أنها تتحمل هذا الوضع من أجل طفليها، فى ظل غياب أى سند أو بديل حقيقى يمكن أن يحميها.

شيماء.. ثمانى سنوات فى أروقة المحاكم بلا حقوق

تحكى «شيماء» وهى سيدة مطلقة من إحدى قرى محافظة الجيزة، عن تجربة زواج لم تدم سوى أيام، لكنها تركت أثراً ممتداً لسنوات من المعاناة.

تقول إن العنف بدأ منذ اليوم التالى للزفاف، حيث تعرضت للضرب والإهانة، فى ظل وجود والدة الزوج وشقيقاته داخل الشقة، دون أى مراعاة لخصوصيتها، فى حال اعتراضها كانت تتعرض للتعدى منه ومنهن، إلى جانب الاستيلاء على متعلقاتها ومشغولاتها الذهبية، لم تتحمل «شيماء» هذا الوضع طويلاً، فغادرت منزل الزوجية إلى بيت أسرتها بعد أقل من شهر، وكانت حينها حاملاً، وبعد ولادتها، حاول الزوج الصلح، وقدم تعهداً أمام أسرتها بعدم تكرار الإهانة، إلا أن هذه الوعود لم تنفذ، وعادت المعاملة القاسية من جديد، مصحوبة بتهديدات بحرمانها من طفلها، فقررت الانفصال نهائياً، لتبدأ رحلة طويلة داخل المحاكم استمرت نحو ثمانى سنوات.

وأشارت إلى صدور عدة أحكام قضائية لصالحها، شملت النفقة وتبديد المنقولات وأحكام حبس، إلا أن الزوج بحسب روايتها يتهرب من تنفيذ هذه الأحكام.

وأوضحت أنها لا تحصل حالياً سوى على مبلغ 500 جنيه من بنك ناصر، وهو مبلغ لا يكفى لتغطية احتياجاتها وطفلها الذى التحق بالمدرسة، وتضيف أنها لم تتمكن من استرداد أى من حقوقها المادية، سواء المهر أو قائمة المنقولات أو حتى الأثاث الذى وفرته أسرتها.

الدكتورة هند فؤاد، أستاذ علم الاجتماع المساعد ورئيس قسم المجتمعات الريفية 
الدكتورة هند فؤاد، أستاذ علم الاجتماع المساعد ورئيس قسم المجتمعات الريفية 

تغيرات فى بنية الأسرة 

فى هذا الشأن قالت الدكتورة هند فؤاد، أستاذ علم الاجتماع المساعد ورئيس قسم المجتمعات الريفية والصحراوية بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، لم تعد مشاهد النساء اللاتى يتحملن مسئولية إعالة أسر كاملة أمراً استثنائياً فى المجتمع المصرى، بل أصبحت ظاهرة متكررة تعكس تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة.

وأوضحت أن مصطلح «المرأة المعيلة» لم يعد مجرد توصيف، بل اقع متسع يشير إلى تغيرات واضحة فى بنية الأسرة المصرية.

وتشير التقديرات إلى أن عدد النساء المعيلات فى مصر يقترب من 12 مليون امرأة، بما يمثل نحو 18.2% من إجمالى الأسر، فيما تظهر بيانات أخرى أن هناك نحو 3.3 مليون أسرة ترأسها نساء، غالبيتهن من الأرامل بنسبة تتجاوز 70%. كما تقدر بعض الجهات أن نسبة الأسر التى تعولها نساء تصل إلى نحو 14%، مع اتجاه واضح نحو الزيادة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس أن الظاهرة لم تعد هامشية، بل تمثل شريحة واسعة لها احتياجاتها وتحدياتها الخاصة، وترتبط هذه الظاهرة بعدة عوامل متداخلة، أبرزها التحولات الأسرية مثل ارتفاع معدلات الطلاق والانفصال، ووفاة الزوج أو غيابه بسبب السفر أو السجن، كما تلعب الضغوط الاقتصادية دوراً رئيسياً، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف دخول بعض الأسر، ما يدفع المرأة إلى تحمل مسئولية الإعالة. 

كذلك ساهمت التغيرات فى دور المرأة، وزيادة مشاركتها فى سوق العمل وارتفاع مستويات تعليمها، إلى جانب عوامل اجتماعية وثقافية مثل تأخر سن الزواج وتزايد الأسر أحادية العائل.

وأشارت «فؤاد» إلى أن هذه العوامل مجتمعة تعكس انتقال المجتمع المصرى من النموذج التقليدى القائم على الرجل كمعيل وحيد، إلى نماذج أكثر تعقيداً، تتحمل فيها المرأة العبء الأكبر، خاصة أنها غالباً ما تنتمى إلى الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت أن غياب الأب، سواء بالوفاة أو الانفصال، يترك آثاراً متعددة على الأسرة، تبدأ بالجانب النفسى، حيث يعانى الأبناء من شعور بعدم الأمان، وقد يميلون إلى الانطواء أو السلوك العدوانى.

كما تظهر آثار اجتماعية مثل ضعف الرقابة الأسرية وزيادة احتمالات التسرب من التعليم، إلى جانب آثار تربوية تتمثل فى اختلال توزيع الأدوار داخل الأسرة، وتحميل الأبناء مسئوليات مبكرة، وهو ما يؤثر على توازن عملية التنشئة.

وأكدت أنه رغم هذه التحديات، تشير بعض الدراسات إلى قدرة عدد من النساء المعيلات على تعويض غياب الأب، من خلال أداء دور «الأم والأب» معاً، خاصة فى البيئات الحضرية، وفى حال تمتعت آلام بمستوى تعليمى ووعى مناسب.

وأشارت أستاذ علم الاجتماع إلى مستوى الدعم، أن السنوات الأخيرة شهدت توسعاً نسبياً فى برامج الحماية الاجتماعية، مثل «تكافل وكرامة» والمعاشات الاستثنائية، إلى جانب جهود التمكين الاقتصادى، من خلال تمويل المشروعات الصغيرة، مثل برنامج «مستورة»، ودعم جهاز تنمية المشروعات، حيث تم تمويل مئات الآلاف من المشروعات للنساء.

إلا أن هذه الجهود، لا تزال غير كافية لتحقيق الاستقلال الاقتصادى الكامل، إذ تعتمد نسبة كبيرة من النساء المعيلات على المساعدات كمصدر رئيسى للدخل، فى ظل خروج نحو 78% منهن من سوق العمل الرسمى.

كما تزايدت الأسر أحادية العائل، وهو ما يزيد من الضغوط النفسية والاقتصادية على المرأة، ورغم وجود قبول مجتمعى أكبر لدور المرأة كمعيلة، إلا أن هذا القبول لا يخلو من تناقض، إذ يتم أحياناً تبرير تقاعس الرجل، مع استمرار تحميل المرأة المسئولية الكاملة فى حال حدوث أى خلل داخل الأسرة.

وتختتم فؤاد بأن ظاهرة المرأة المعيلة فى مصر تكشف عن وجهين متناقضين، أحدهما يعكس قوة المرأة وقدرتها على الصمود وقيادة الأسرة، والآخر يكشف عن ضغوط عميقة وخلل فى منظومة الدعم والتقدير.

النفقة

من جانبها أكدت الدكتورة إلهام المهدى، الخبيرة القانونية، أن الزواج فى جوهره علاقة سامية تقوم على ميثاق غليظ تحكمه ضوابط شرعية وقانونية تنظم الارتباط والاستمرار وحتى الانفصال، بما يضمن الحقوق والواجبات لكل طرف، إلا أن الواقع يشهد تراجعاً واضحاً فى الالتزام بهذه القيم، حيث حلت محلها فى كثير من الحالات مظاهر التعنت والاستغلال، وأصبح العنف وسيلة شائعة لإدارة الخلافات الأسرية.

وأشارت إلى أن النفقة تعد من أهم ركائز العلاقة الزوجية، إذ تقع مسئوليتها الأصلية على الزوج، لكن العديد من الأزواج يتهربون منها بطرق مختلفة، ما يترك الزوجة والأبناء فى مواجهة أعباء الحياة وحدهم، وتكشف خبرات المحاكم أن البعض يلجأ إلى التحايل عبر إخفاء دخله الحقيقى، أو نقل ممتلكاته لأقارب، أو تغيير محل إقامته للتهرب من تنفيذ الأحكام.

وأوضحت أن هناك ثغرات قانونية وإجرائية تزيد من معاناة النساء، أبرزها صعوبة التحرى عن الدخل الحقيقى، وطول أمد التقاضى، وضعف قيمة النفقة المحكوم بها، خاصة فى ظل الاعتماد على حد أقصى محدود من بنك ناصر لا يتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

كما تسلط الضوء على نمط آخر من المعاناة، يتمثل فى وجود «الزوج الغائب الحاضر»، الذى يتخلى عن مسئولياته المادية والتربوية رغم وجوده، ما يجبر الزوجة على تحمل العبء كاملاً، بينما يكتفى هو بدور المستهلك أو المتفرج، وأحياناً يمارس ضغوطاً نفسية أو مادية تصل إلى العنف للاستيلاء على رواتبهن، أو إجبارهن على الإنفاق الكامل، أو تركهن يواجهن الحياة وحدهن مما يعكس خللاً واضحاً فى توازن العلاقة الأسرية.

ولمواجهة ذلك طرحت الخبيرة القانونية عدداً من المقترحات، أبرزها تحديد حد أدنى ملزم للنفقة مرتبط بمستوى المعيشة، وإنشاء جهة حكومية تتولى تحصيل النفقة وصرفها لضمان انتظامها، مع منح الدولة سلطة ملاحقة الزوج المتهرب قانونياً، وتهدف هذه الآليات إلى تحقيق الأمان المادى والاستقرار النفسى للمرأة وأبنائها، والحد من استغلال النفقة كوسيلة للضغط أو الإذلال.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق