يمثل برنامج الإصلاح الاقتصادى الذى بدأته الدولة المصرية فى عام 2016 نقطة تحول رئيسية فى مسار الاقتصاد، حيث استهدف استعادة الاستقرار المالى والنقدى ومعالجة اختلالات هيكلية تراكمت على مدار سنوات، ولكن بسبب ما تشهده المنطقة من تقلبات سياسية وحروب وأزمات اثر ذلك على ما تقوم به الدولة من تنمية، رغم بدء تنفيذ برنامج الإصلاح منذ 2016، واجهت منذ عام 2020 سلسلة من الأزمات والصدمات الخارجية التى كان من الصعب تجنبها، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الأداء الاقتصادى.
هذه التطورات أدت إلى تراجع إيرادات قناة السويس بنحو 10 مليارات دولار، بما يعادل قرابة 500 مليار جنيه، الأمر الذى فرض ضغوطاً إضافية على موارد النقد الأجنبى وحد من قدرة الدولة على التحرك بكفاءة فى مواجهة التحديات الاقتصادية.
كما خفض صندوق النقد الدولى توقعاته لنمو الاقتصاد المصرى خلال العام المالى الحالى إلى 4.2% من 4.7% فى تقديراته السابقة الصادرة فى يناير الماضى، فى ظل التداعيات الاقتصادية الناجمة عن حرب إيران، بما فى ذلك ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية. كما خفض صندوق النقد فى تقرير آفاق الاقتصاد العالمى، توقعاته لنمو الاقتصاد المصرى خلال العام المالى المقبل إلى 4.8% مقارنة بـ5.4% فى تقرير يناير.
لذلك خلال السطور التالية نتناول قراءة فى ما حدث بالاقتصاد المصرى وبرنامجه الذى بدأ فى نوفمبر 2016 بالتعاون مع صندوق النقد الدولى، والذى كان نقطة تحول رئيسية فى مسار الاقتصاد المصرى، حيث جاء فى سياق أزمة حادة تمثلت فى نقص النقد الأجنبى، اتساع عجز الموازنة، وارتفاع الدين العام، ما دفع الدولة إلى تبنى حزمة إصلاحات جذرية استهدفت تحقيق الاستقرار المالى والنقدى كأولوية أولى.
اعتمد البرنامج فى مرحلته الأولى على أدوات تقليدية للإصلاح، كان أبرزها تحرير سعر الصرف، خفض دعم الطاقة تدريجياً، تطبيق ضريبة القيمة المضافة، وتشديد السياسة النقدية للسيطرة على التضخم. ولكن بالرغم من أنه أدى قرار تعويم الجنيه فى 2016 إلى تصحيح حاد فى سعر العملة، لكنه فى الوقت ذاته تسبب فى موجة تضخمية قوية تجاوزت 20% فى السنوات الأولى، ثم عادت للارتفاع لاحقاً لتصل إلى نحو 38% فى عام 2023 قبل أن تبدأ فى التراجع التدريجى، لتسجل قرابة 11–13% فى عام 2026 وفق بيانات البنك المركزى.
النمو الاقتصادى
على مستوى النمو الاقتصادى، نجحت مصر فى استعادة معدلات نمو إيجابية بعد فترة من التباطؤ، حيث ارتفع النمو من مستويات منخفضة قاربت 2.4% فى 2023/2024 إلى نحو 4.5% فى 2024/2025، مع توقعات بوصوله إلى ما يقرب من 5% خلال عام 2026.
البطالة
فيما يتعلق بالبطالة، شهدت مصر تحسناً ملحوظاً بانخفاض المعدلات إلى نحو 6–7% فى السنوات الأخيرة، كما حققت المالية العامة تقدماً مهماً، حيث تمكنت الحكومة من تحقيق فائض أولى يقترب من 4% من الناتج المحلى، وهو مؤشر على الانضباط المالى، إلا أن هذا التحسن لم ينعكس بشكل كاف على خفض مستويات الدين، حيث لا يزال الدين العام مرتفعاً، مع استمرار الحاجة إلى تمويل خارجى سنوى كبير، وهو ما يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسواق العالمية.
القطاع الخارجى
أما على صعيد القطاع الخارجى، فقد تحسنت الاحتياطيات الدولية لتصل إلى مستويات تقارب 50–60 مليار دولار فى بعض الفترات، إلا أن هذا التحسن يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات غير مستقرة نسبياً مثل الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل والتحويلات، وليس على مصادر مستدامة مثل الصادرات الصناعية، وهو ما يفسر تكرار أزمات العملة الأجنبية على فترات متقاربة. وقد زادت هذه الهشاشة نتيجة للصدمات الخارجية، بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى التوترات الإقليمية التى أثرت على إيرادات قناة السويس والسياحة، ما كشف عن حساسية الاقتصاد المصرى تجاه المتغيرات الخارجية.
رغم هذه التحديات، لا يمكن إنكار أن برنامج الإصلاح نجح فى تحقيق هدفه الأساسى المتمثل فى استعادة الاستقرار الكلى ومنع حدوث أزمة مالية شاملة، إلا أن هذا النجاح يظل جزئياً إذا ما تم تقييمه من منظور التحول الهيكلى. فحتى الآن، لم يتحقق التحول الكافى نحو اقتصاد إنتاجى يعتمد على الصناعة والتصدير، كما لا يزال دور الدولة فى النشاط الاقتصادى كبيراً، وهو ما أشار إليه صندوق النقد الدولى بشكل متكرر، مؤكداً ضرورة تعزيز دور القطاع الخاص وتقليل تدخل الدولة لخلق بيئة تنافسية أكثر كفاءة.
مسار الاقتصاد
خلال الفترة من 2026 إلى 2030، يتوقف مسار الاقتصاد المصرى على قدرة الدولة على الانتقال من مرحلة «الإصلاح المالى والنقدى» إلى مرحلة «الإصلاح الهيكلى العميق»، والتى تشمل تمكين القطاع الخاص، تسريع برنامج الطروحات، تحسين بيئة الاستثمار، وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلى والتصدير. فى حال نجاح هذه التحولات، يمكن أن يحقق الاقتصاد معدلات نمو تتجاوز 5% مع استقرار التضخم عند مستويات أحادية الرقم، وانخفاض تدريجى فى الدين. أما فى حال استمرار الأوضاع الحالية دون تغيير جوهرى، فمن المرجح أن يستمر الاقتصاد فى مواجهة دورات متكررة من الضغوط على العملة وارتفاع التضخم، يليها استقرار مؤقت، دون تحقيق اختراق تنموى حقيقى.
















0 تعليق