تتحرك بريطانيا وفرنسا لإعادة تشكيل المشهد الأمنى فى مضيق هرمز عبر خطة أوروبية واسعة تستبعد الولايات المتحدة من قيادة المرحلة التالية لانتهاء الحرب مع ايران، فى خطوة تعكس تصاعد الخلاف عبر الأطلسى وتفتح الباب أمام توازنات جديدة فى واحد من أخطر الممرات البحرية فى العالم.
يقود كير ستارمر وإيمانويل ماكرون جهودًا لتشكيل تحالف يضم بشكل أساسى دولًا أوروبية على غرار تحالف الدول الراغبة الذى برز فى ملف أوكرانيا، حيث تسعى لندن وباريس إلى إطلاق مهمة بحرية تهدف إلى تأمين الملاحة فى المضيق وإعادة الثقة لشركات الشحن العالمية فور توقف القتال.
تعتمد الخطة على نشر كاسحات ألغام وسفن دعم وقطع بحرية متقدمة لتطهير الممر من الألغام التى زرعتها إيران خلال المراحل الأولى من الحرب إلى جانب توفير حماية عسكرية للسفن التجارية بما يسمح بعودة التدفقات الطبيعية للطاقة عبر المضيق الذى يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
لكن هذا التوجه يحمل فى طياته مخاطرة سياسية كبيرة، إذ قد يؤدى استبعاد واشنطن إلى إثارة غضب دونالد ترامب الذى سبق أن وجه انتقادات حادة لحلفائه فى الناتو بسبب عدم مشاركتهم فى عملياته العسكرية وهدد بإعادة النظر فى التزامات الولايات المتحدة تجاه الحلف.
ورغم الضغوط الأمريكية، رفض القادة الأوروبيون الانخراط فى الحرب أو إرسال قوات لدعم الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، مؤكدين أن الصراع ليس حربهم وأنهم متمسكون بمقاربة مختلفة تقوم على إدارة ما بعد النزاع بدلًا من التورط فى المواجهة.
وفى هذا السياق، يستعد ستارمر وماكرون لعقد مؤتمر عبر الفيديو يضم عشرات الدول لبحث ترتيبات الأمن البحرى بعد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، حيث شدد ماكرون على أن المهمة ستكون دفاعية الطابع ولن تشمل الدول المنخرطة مباشرة فى القتال مثل الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.
وأكد وزير الخارجية الفرنسى جان نويل بارو أن نشر هذه القوة لن يتم إلا بعد استعادة الهدوء الكامل ووقف الأعمال العدائية، مشيرًا إلى ان التنسيق مع الدول المطلة على المضيق بما فى ذلك إيران سيكون شرطًا أساسيًا لتنفيذ المهمة ما يعنى أن موافقة طهران قد تكون حاسمة لانطلاقها.
وتشير تقديرات مطلعين إلى أن حجم العملية قد يوازى العمليات التى شهدتها المنطقة خلال حرب الناقلات فى ثمانينيات القرن الماضى، حين تم نشر عشرات السفن الحربية ضمن تحالف دولى واسع شمل مجموعات قتالية متكاملة.
وفى إطار التحضيرات تعمل البحرية الملكية البريطانية على تجهيز سفينة الدعم «لايم باى» لتكون مركزًا محتملًا للقيادة والسيطرة، فيما ستشمل القوة المنتظرة كاسحات ألغام وغواصات وطائرات مسيرة وسفن دفاع جوى قادرة على تأمين المجالين البحرى والجوى.
وتركز الخطة أيضًا على حل أزمة مئات السفن العالقة فى المضيق عبر تأمين خروجها بشكل منظم قبل البدء فى عمليات إزالة الألغام على نطاق واسع بما يسمح بعودة الحركة التجارية بشكل كامل.
وتتمتع الدول الأوروبية بقدرات ملحوظة فى مجال إزالة الألغام، إذ تمتلك نحو 150 سفينة مخصصة لهذا الغرض مقارنة بتراجع القدرات الأمريكية فى هذا المجال بعد سحب عدد كبير من كاسحات الألغام من الخدمة، كما تميل بريطانيا إلى استخدام الطائرات المُسيرة فى هذه العمليات لتقليل المخاطر على الأفراد.
وستتضمن المهمة مرافقة عسكرية مستمرة للسفن التجارية إلى جانب عمليات مراقبة تقوم بها فرقاطات ومدمرات بهدف طمأنة شركات الشحن والتأمين، غير أن حجم الانتشار العسكرى المطلوب لا يزال قيد الدراسة.
كما سيتم نشر أنظمة دفاع جوى ضمن قواعد اشتباك صارمة تتيح فقط اعتراض أى تهديدات واردة دون الانخراط فى عمليات هجومية، وهو نهج مشابه للانتشار الأوروبى فى البحر الأحمر لحماية الملاحة من هجمات الحوثيين.
ورغم التقدم فى بلورة الخطة، لا تزال هناك خلافات بين الحلفاء حيث يخشى مسئولون بريطانيون من أن يؤدى استبعاد الولايات المتحدة إلى تقويض العملية، بينما ترى باريس أن مشاركة واشنطن قد تجعل المهمة مرفوضة من جانب إيران.
ومن المتوقع أن تنضم ألمانيا إلى هذه الجهود رغم الحساسية السياسية التى تحيط بأى انتشار عسكرى خارجى بسبب إرث الحرب العالمية الثانية إلا أنها تمتلك الموارد المالية والمعدات اللازمة للمساهمة.
فى المقابل، أعلنت إيطاليا عن أنها لن تشارك بقوات بحرية فى المضيق دون تفويض واضح من الأمم المتحدة، ما يعكس استمرار التباينات داخل المعسكر الأوروبى.
وتأتى هذه التحركات فى ظل إصرار ماكرون على تعزيز الاستقلال الاستراتيجى الأوروبى عن الولايات المتحدة، وهو توجه تصاعد منذ الولاية الأولى لترامب وتعمق مع عودته إلى البيت الأبيض، حيث فرض رسومًا جمركية على أوروبا ولوح بخطوات مثيرة للجدل وقلص دور الحلفاء فى ملفات حساسة مثل أوكرانيا.
ونقلت تقارير عن دبلوماسيين أوروبيين تأكيدهم أن القوة البحرية المرتقبة لن تكون تحت قيادة أمريكية وأن واشنطن لن تشارك حتى فى الاجتماع التحضيرى، فيما وجهت الدعوات إلى قوى دولية أخرى مثل الصين والهند دون وضوح بشأن مشاركتهما.


















0 تعليق