حكم محاكاة شخص حي بالذكاء الاصطناعي

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يعد إنشاء واستخدام برامج لمحاكاة الأحياء بالذكاء الاصطناعي بواسطة تقنية "التزييف العميق" لاختلاق الأحداث وتحريفها ونشر الفتنة في المجتمع هو عمل مُحَرَّمٌ شرعًا، ومجرم قانونًا، واستخدامه في التزييف والتدليس يُعدُّ من الكذب، والتزوير، والبهتان، والاعتداء على أعراض الناس وأموالهم، وهي من كبائر الذنوب، سواء كان بإذن صاحب الشأن أو كان دون إذنه، وسواء كان للترفيه والمزاح أو لم يكن.

حكم المحاكاة التوثيقية لشخص حي بواسطة الذكاء الاصطناعي

وتجوز المحاكاة التوثيقية بعرض ما حدث فعلًا، وإخراجها على ما وقعت عليه، دون تحريف لمضمونها أو إساءة لصاحبها، كوسيلة توضيحية مجدية وفعَّالة لنشر القيم الأخلاقية والتربوية وبناء العقليات المستقيمة، بشرط إذن صاحبه وانضباطه بالضوابط والقيود الشرعية وخلوه من المخالفات والمحظورات الشرعية.

ومن المقرر أن محاكاة شخص بدون إذنه بواسطة الذكاء الاصطناعي بتقنية التزييف العميق هي إحدى شكلي المحاكاة المحرمة شرعًا، حيث تشمل:

- المحاكاة الاصطناعية عن طريق الاختلاق الكلي للأقوال والأفعال مما لم تقع، سواء أذن ذو الشأن أو لا، وسواء كان فيها تشويهٌ وأذىً أو لا، وسواء كانت للترفيه والمزاح أو لا، وهي مسألتنا.

- والمحاكاة التحريفية عن طريق إعادة ما حدث فعلًا مع التلاعب بها، وإخراجها عن سياقها بشكل يسيء لسمعة المُحَاكَى أو يظهره بمظهر مهين أو يسيء للمجتمع، وينشر الفتنة بين أفراده، ولو على سبيل الدعابة والترفيه، ولو أذن فيه الشخص المنسوب له.

ووجه الحرمة في كل منهما اشتمالهما على جملة من المحاذير الشرعية:

أولًا: الاعتداء على حق الفرد في شخصه، حيث يمثل استخدامها اعتداءً صارخًا على البيانات الحيوية للإنسان الخاصة بصورته وصوته، وكلاهما من حقوقه الخالصة، التي لا يجوز اقتحامها إلا بإذنٍ معتبر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كُل المسلِم على المسلِم حرام: دمه، وماله، وعرضه» رواه الإمام مسلم.

قال القاضي أبو الفضل عياض في "إكمال المُعْلِمِ بفوائد مسلم" (7/ 530، ط. دار الوفاء): [فالدم كناية عن النفس، والعرض كناية عن أذاه بالقول] اهـ.

ومحاكاة صوت وصورة الحي بدون إذنه بواسطة الذكاء الاصطناعي بتقنية التزييف العميق في جوهرها جناية مركبة من الأذى الفعلي والقولي، فهي تبدأ باعتداء فعلي بسرقة البيانات البيومترية للشخص، والتلاعب التقني بها، لتزوير هيئته وصورته وصوته، ثم ينتج عنه أذىً قوليٌّ يتمثل في نسبة أقوال لم يقلها إليه أو أفعال لم يقدم عليها، مما ينال من عرض الشخص وسمعته.

قال الإمام النووي في "الأذكار" (ص: 597، ط. دار ابن حزم): [قد تظاهرت نصوصُ الكتاب والسنة على تحريم الكذب في الجملةِ، وهو من قبائح الذنوب، وفواحش العيوب، وإجماعُ الأمةِ منعقدٌ على تحريمهِ مع النصوص المتظاهرةِ] اهـ.

كما أنه يحول الباطل إلى حقيقة بصرية ملموسة، ويقيم الحجة على الضحية بلسانه وصورته، فيصعب عليه دحضها، والله تعالى قد أمرنا بالصدق وأن نكون مع الصادقين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

والكذب وإن كان محرمًا لذاته، فإنه يزداد حرمة إذا نُسب للغير زورًا وبهتانًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30].

قال الإمام الرازي في "تفسيره" (23/ 223، ط. دار إحياء التراث العربي): [اجتنبوا قول الزور كله، ولا تقربوا منه شيئا لتماديه في القبح والسماجة] اهـ.

والبهتان من أكبر الكبائر، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

قال الإمام ابن كثير في "تفسيره" (6/ 424، ط. دار الكتب العلمية): [قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: ينسبون إليهم ما هم برآء منه لم يعملوه، ولم يفعلوه ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ وهذا هو البهت الكبير، أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم] اهـ.

وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مِنْ أَرْبى الربا الاستطالةُ في عرْض مسلمٍ بغير حق» رواه الإمامان أبو داود وأحمد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق