فى تطور يزيد من حدة التوترات فى الشرق الأوسط، أثار الحصار الذى أعلنت الولايات المتحدة فرضه على الموانئ الإيرانية تساؤلات واسعة حول قانونيته وقدرته على تحقيق أهدافه، فى وقت يحذر فيه خبراء من أن هذا التحرك قد يؤدى إلى اضطراب كبير فى حركة التجارة العالمية وارتفاع أسعار النفط والسلع الاساسية.
ويشير محللون إلى أن تنفيذ حصار بحرى بهذا الحجم يتطلب موارد عسكرية كبيرة والتزاماً مستمراً من البحرية الأمريكية إلى جانب وضوح قانونى وقرارات سياسية دقيقة، كما يثير مخاوف بشأن استخدام القوة فى المياه الدولية واحتمالات التصعيد المباشر مع إيران.
وقال مسئول عسكرى إن لدى الولايات المتحدة 16 سفينة حربية فى الشرق الأوسط بينما أشار مسئول آخر إلى عدم وجود سفن حربية داخل الخليج العربى نفسه الذى يطل على معظم سواحل إيران.
ويؤكد خبراء أن نجاح الحصار يعتمد على القدرة على مراقبة منطقة شحن كثيفة الحركة مثل مضيق هرمز الذى يمر عبره نحو خمس النفط العالمى فى الأوقات الطبيعية، ما يجعل تطبيق القيود البحرية مهمة معقدة تتطلب عدداً كبيراً من السفن وقدرة على الردع الفورى بحسب تحليل أسوشيتدبرس.
وقال سيدهارث كوشال، خبير القوة البحرية فى المعهد الملكى للخدمات المتحدة، إن نجاح الحصار سيتوقف على الأيام الأولى ومدى قدرة القوات الأمريكية على اعتراض السفن أو إقناعها بعدم محاولة المرور، مضيفاً أن تنفيذ الحصار سيكون صعباً على الولايات المتحدة رغم التفوق العسكرى.
من جانبه قال تود هانتلى مدير برنامج قانون الأمن القومى فى مركز القانون بجامعة جورج تاون أن ضيق المنطقة الجغرافية قد يسهل من الناحية النظرية فرض الحصار لكن كثافة حركة الملاحة ستشكل تحدياً كبيراً، وأضاف أن القانون الدولى يفرض التزامات على الدولة التى تفرض حصاراً مثل السماح بالمساعدات الانسانية وعدم استهداف المدنيين.
وأوضح هانتلى وهو نقيب متقاعد فى البحرية وقاض عسكرى سابق أن طبيعة تنفيذ الحصار هى التى تحدد شرعيته، مؤكداً أنه لا يجوز استخدام الحصار لتجويع السكان المدنيين وأن دليل قانون الحرب فى وزارة الدفاع ينص على ضرورة السماح لسفن الإغاثة بالمرور.
كما قال راؤول بيدروزو أستاذ القانون الدولى فى كلية الحرب البحرية وضابط سابق فى البحرية الأمريكية إن معظم السفن التجارية قد تتجنب المخاطرة بالدخول فى منطقة الحصار مرجحاً أن تتوقف عند رؤية سفن حربية أمريكية، مضيفاً أن السفينة الحربية حينها ستفرض التوقف بشكل مباشر.
ورغم ذلك يشير الخبراء إلى أن الحصار البحرى تاريخياً لم يكن أداة حاسمة بمفرده لكنه يستخدم كوسيلة ضغط اقتصادية وسياسية على الدول المستهدفة، وقال كوشال إن هناك دائماً طرقاً للالتفاف مثل الاستيراد البديل أو تقليل الاعتماد على بعض السلع لكن ذلك لا يؤدى بالضرورة إلى نتائج حاسمة وسريعة.
كما يؤكد محللون أن الحصار لا يمكنه عزل الاقتصاد الإيرانى بشكل كامل عن شركائه التجاريين مثل الصين وروسيا ولا يمكنه قطع طرق بديلة عبر آسيا الوسطى أو بحر قزوين.
وحذر فرزين نديمى المتخصص فى شئون إيران والخليج فى معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى من أن الرد الإيرانى قد يؤدى إلى تصعيد خطير، مشيراً إلى احتمال استخدام إيران ألغاماً بحرية أو زوارق هجومية سريعة أو صواريخ مضادة للسفن.
وقال نديمى إن الولايات المتحدة ترغب فى عملية سريعة وبسيطة لكن هذا غير واقعى فى ظل طبيعة الصراع واحتمالات الرد المتبادل.
وفى ردود متصاعدة قال ترامب إن إيران ما زالت تمتلك سفن هجوم سريع، بينما أكدت طهران أنها سترد بقوة على أى محاولة لفرض حصار وهددت بأنها ستستهدف أى دولة تشارك فى دعم هذا الإجراء، فى وقت تتبادل فيه الأطراف تهديدات قد تشمل موانئ فى الخليج العربى وخليج عمان.
وعلى الصعيد الاقتصادى حذر خبراء من ارتفاع إضافى فى أسعار النفط مع احتمال استمرار إغلاق الممر المائى فعلياً حتى دون توقف كامل، حيث قد تتجنب السفن المرور بسبب المخاطر الأمنية.
وقالت فيديا مانى الأستاذة الزائرة فى جامعة كورنيل والمتخصصة فى سلاسل التوريد أن الحصار قد يؤدى إلى فترة طويلة من عدم الاستقرار فى الأسعار وأن ارتفاع التكلفة سيستمر لفترة ممتدة حتى بعد انتهاء الأزمة.
وقد تجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل بعد أن كان عند نحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، كما ارتفع متوسط أسعار البنزين فى الولايات المتحدة إلى أكثر من 4.12 دولار للجالون مقارنة بنحو 2.98 دولار قبل الأزمة.
ويؤثر ذلك بشكل مباشر على الأسر والشركات خاصة فى آسيا التى تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، لكن النفط سلعة عالمية ما يعنى أن الأثر يمتد إلى جميع الأسواق تقريباً.
كما حذر خبراء سلاسل التوريد من أن الاضطرابات قد تطال حركة الغذاء والأسمدة، حيث تمر نسبة كبيرة من الأسمدة العالمية عبر مضيق هرمز، وقد يؤدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الغذاء فى دول الخليج والدول المستوردة.
وقال باتريك بينفيلد أستاذ سلاسل التوريد فى جامعة سيراكيوز إن دولاً مثل الإمارات وقطر والبحرين قد تواجه ارتفاعاً حاداً فى أسعار الغذاء بسبب اضطرارها لنقل بعض الإمدادات جواً فى حال تعطلت حركة الشحن البحرى.
وأضاف أن نحو 30 %من الأسمدة العالمية تمر عبر هذا الممر المائى ما يعنى ان أى تعطيل طويل قد ينعكس على الإنتاج الزراعى عالمياً ويزيد من مخاطر نقص الغذاء.
كما أشارت مانى إلى أن المواد الكيميائية والمعادن مثل الألمنيوم والمواد الخام المستخدمة فى الصناعات تمر أيضاً عبر المنطقة ما يضيف طبقة أخرى من الاضطراب الاقتصادى.
وأوضحت أن الاقتصاد العالمى كان بالفعل تحت ضغط بسبب التعريفات الجمركية الجديدة والتوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل التوريد بعد جائحة كورونا ما يجعل أى أزمة جديدة أكثر تاثيراً.
وقالت إن العالم يجب أن يكون مستعداً لارتفاع مستمر فى الأسعار وأن كل أزمة تضيف عبئاً جديداً على الأزمات السابقة.


















0 تعليق