لم تعد مهمة الإعلام هي نقل الحدث فقط بل صناعة الوعي خاصة في أوقات الحروب والأزمات فوسائل نقل الأحداث متعددة وسهلة الوصول إليها متاحة فصناعة الوعي يتحول إلى حائط صد نرتكن إليه كقوة ناعمة قادرة على مخاطبة العقل وتبسيط الأحداث وإجلاء أهدافها الخفية والمعلنة
الإعلام المصري والرسمي بالخصوص لم يعد قادرا علي بناء رواية كل ما يشغله أن يغطي الحدث فقط بموضوعية وكأنه يغطي الحدث لجماهير في غنينا الاستوائية
في حين لو ألقيت نظرة فاحصة علي كل القناة الأجنبية ستجد كل قناة منها تغطي نفس الحدث ولكن بروايتها ووفقا لأجندتها وتكريسا لسياستها وتنفيذا لاستراتيجية جنسيتها
هنا ستدرك أن هناك معركة أخرى تدور بالتوازي مع المعارك والأحداث هي معركة الوعي والفوز بالعقول وأسرها لتكون خط دفاعك وحصنك جنبا إلى جنب مع القوة الغاشمة عند الضرورة
عزيزي القارئ يؤسفني أن أقول لك أن إعلامنا ليست لديه هذه الاستراتيجية والبعض يقوم بذلك متطوعا بوسائله الخاصة دون خطة أو استراتيجية فتبدو ضعيفة
معركة الوعي في وقت الأزمات والحروب وإعادة تشكيل المنطقة ليست مجرد شعار ثقافي أو خطاب نخبوي، بل هو معركة وجود، نكون أو لا نكون، معركة تُحدد أين يقف المواطن؟ وكيف يقف؟ ويفهم تاريخه ودوره ويستلهم منه ليقرأ حاضره ليبني روايته بدلا من أن تفرض عليه رواية أخرى غير وطنيه للأحداث
مايزال الإعلام المصري يعتمد على تاريخه ولم يعد قادراً على أداء دوره في هذه المعركة ليس لأنه يفتقر إلى الكفاءات، فالمؤسسات مليئة بالخبرات، ولا لأنه يفتقد الإمكانيات بالكامل، بل لأن هناك خللاً في الفلسفة، في طريقة التفكير
الإعلام الآن ليس مجرد ناقل للخبر وليس منصة لنقل البيانات الرسمية فقط بل مساحة لسرد وبناء الوعي في ظل محاولات مستميتة لصناعة بطولات زائفة وممارسة تقديم الأكاذيب على أنها حقائق بديلة لترويج السرديات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي هنا لا يمكن الاكتفاء بنقل الأحداث فقط بل تنقل الحقيقية بشكل مؤثر وذكي، وقادر على المنافسة.
يؤسفني أن أقول أن الإعلام المصري، في صورته الحالية، يعاني من عدة أزمات كغياب الجرأة المهنية والسير في المنطقة الرمادية الآمنة فضلا على أننا نملك الحقائق ولا نحسن روايتها نترك الفراغ ونؤثر الصمت ليملؤه الآخرون برواياتهم الزائفة، عزيزي القارئ الإعلام الحديث يجعل من يملك القصة هو من يملك التأثير
اما خطابنا الإعلامي في كثير من الأحيان لا يخاطب عقل المواطن الحقيقي بل يخاطب صورة ذهنية متخيلة عنه منذ الستينيات في حين أن الجمهور اليوم أصبح أكثر إدراكا ولديه وسائل حديثة ومتنوعة للحصول على المعلومات وفي نفس الوقت هو مواطن أقل صبرا على هذا الخطاب التقليدي وأكثر نقدا.
كذلك يعاني الإعلام المصري من غياب التكامل عن مؤسسات تشكيل الوعية كالتعليم والثقافة حتى أن كل وزارة منهما تعمل في جزر منفصلة، بينما معركة الوعي تتطلب جبهة موحدة متناغمة فبرغم أننا جميعا ندرك أهمية تحصين الهوية المصرية وبناء العقل التوعوي النقدي، لكن أدواتنا لا تزال تقليدية، وردود أفعالنا بطيئة، وخطابنا الإعلامي في كثير من الأحيان دفاعي لا مبادر.
نحتاج إلى إعلام يُفكر ويُحلل ويُخاطب العقل إعلام يُدرك أن معركة الوعي تحتاج إلى بناء استراتيجية إعلامية وطنية، برامج تحليلية عميقة، وثائقيات تكشف ولا تُجمّل، منصات رقمية تنافس بجدية و أدوات عصرية نقف أسرى لأساليب الماضي.
المواطن الآن الذي لا يمنح خطابا واعيا سيبحث عنها في مكان آخر وللأسف حين يجدها سيجدها مشوهة، قد يصدقه لا لأنها صحيحة، بل لأننا تركنا له الفراغ.


















0 تعليق