حد الإعفاء العائلي والضرائب التصاعدية من منظور العدالة الضريبية

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في ظل واقع اقتصادي متسارع المتغيرات محلياً وعالمياً ومنافسة عالمية على جذب الاستثمارات، لم يعد النظام الضريبي مجرد أداة لتحصيل الموارد السيادية، بل تحول إلى أداة من أدوات إدارة توجيه الاقتصاد الكلي بما لا يخل باقتصاديات "الجزئي" للمنشآت وبالاعتبارات الاجتماعية والإنسانية المتعلقة باقتصاديات الأسرة المصرية، والتي تقتضي ألا يتحول النظام الضريبي إلى سبب لتآكل "الدخل الحقيقي" للمواطن محدود الدخل. إن القضية الجوهرية التي نطرحها اليوم هي ضرورة إعادة صياغة النظام الضريبي بما يحقق العدالة الضريبية دون الإخلال بالاعتبارات التنموية الاقتصادية واعتبارات جذب الاستثمارات، ونكتفي في هذا المقال بتناول عدة نقاط ضريبية على النحو التالي:

أولاً: حد الإعفاء الضريبي:
تعد جزئية "حد الإعفاء الضريبي" بمثابة أحد مؤشرات العدالة الضريبية، وهو ما يقتضي أن تكون معدلاته غير منفصلة عن التطورات المستمرة للواقع المعيشي؛ إذ ينبغي ربط حد الإعفاء ديناميكياً (صعوداً وهبوطاً) بقيم مرجعية معبرة عن القوة الشرائية الحقيقية ومعدلات التضخم، مثل سعر جرام الذهب أو سعر صرف العملات الأجنبية كالدولار، ومعدلات التضخم وكافة المؤشرات الاقتصادية والمالية. هذا الربط يضمن عدم تحول المنظومة الضريبية إلى سبب إضافي لتآكل دخل الفرد والأسرة بجانب التآكل الناتج عن التضخم، ويمنع تحصيل ضرائب على "أرباح وهمية" ناتجة فقط عن انخفاض قيمة العملة، بينما تظل القدرة الشرائية للمواطن في تراجع مستمر.
ومن منظور العدالة الاجتماعية، نرى أن أقل دخل ينبغي إخضاعه للضريبة لفرد أعزب يجب ألا يقل عن 30 ألف جنيه شهرياً (بمستوى الأسعار الحالية)، ويزيد حد الإعفاء بتغير التضخم وبزيادة عدد الأفراد الذين يعولهم (الزوجة والأبناء والوالدين والأشقاء وغيرهم طبقاً للقواعد الدينية والقانونية ذات الصلة). فحتى المواطن الأعزب لا يحتاج فقط لتلبية احتياجاته اليومية، بل يحتاج بشدة إلى تجنيب وادخار جزء من دخله لترتيبات الزواج المرهقة، من أقساط شراء مسكن وتكاليف تأثيث وغيرها من نفقات الزواج الباهظة التي تفرضها الأعراف والواقع الاقتصادي الراهن. لذا، ينبغي رفع حد الإعفاء وربطه بعدد الأفراد الذين يعولهم الشخص الخاضع للضريبة فعلياً، بما يتناسب مع تلك المتغيرات والالتزامات الحياتية.


ثانياً: الضرائب التصاعدية:
إن تطبيق "الضريبة التصاعدية" الحقيقية -بالتوازي مع الإسراع في استكمال منظومة الشمول المالي- هو المسار الوحيد لتحقيق العدالة الضريبية. فالشمول المالي سيسمح للدولة بحصر الثروات والأنشطة الاقتصادية بدقة، مما يتيح تخفيف الأعباء عن كاهل المواطن البسيط والموظف الكادح، ونقل العبء الضريبي إلى الفئات الأكثر قدرة، فضلاً عن إدماج القطاع غير الرسمي في المجتمع الضريبي كأحد تجليات العدالة الضريبية، وهو ما قد يزيد من قدرة الدولة على تطوير النظام الضريبي وبالتالي رفع حد الإعفاء الضريبي عن المواطنين البسطاء والموظفين محدودي الدخل.


ثالثاً: استخدام النماذج الرياضية في تطوير النظام الضريبي:
ولتحقيق العدالة الضريبية دون المساس بسائر الاعتبارات التنموية والمالية الأخرى (على المستوى الكلي والجزئي بل وعلى مستوى الفرد والأسرة)، فإن الاستعانة بآليات "النمذجة الرياضية الضريبية (Tax Modeling)" ضرورة استراتيجية للانتقال نحو إدارة اقتصادية قائمة على البرهان؛ حيث تتيح التنبؤ بدقة بردود فعل القطاعات تجاه المتغيرات التشريعية. تهدف هذه المنهجية إلى الوصول لحالة التوازن الأمثل (Optimization)؛ وهي المعادلة التي تضمن تحقيق العدالة الضريبية بكفاءة، مع الحفاظ على حصيلة سيادية مرتفعة دون المساس بمعدلات التنمية أو الجاذبية الاستثمارية. كما تمنح تقنيات النمذجة الرياضية مرونة فائقة في توجيه التنمية قطاعياً وجغرافياً وفق أولويات الدولة عبر منظومة الحوافز، مع تحديث الشرائح دورياً للاستجابة للمتغيرات.


إن تطبيق هذه المقترحات وغيرها مما قد يطرحه الخبراء المتخصصون في الشؤون الاقتصادية والمالية والمحاسبية، سيسهم في تحويل الضرائب من عبء إلى أداة تنموية دقيقة تضمن استقرار المناخ الاستثماري، وتوجه السيولة نحو المشاريع الأكثر نفعاً نوعياً وجغرافياً، مما يعزز كفاءة تخصيص الموارد ويحقق النهضة المنشودة خاصة في مجالي الصناعة والزراعة، ويصون في الوقت ذاته حق الأسرة المصرية في حياة كريمة لا تبتلعها الضرائب نتيجة انفصال التشريع عن متغيرات الواقع المعيشي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق