«الفاتيكان» يفتح النارعلى «ترامب»
يكشف مشهد سياسى ودينى غير مسبوق عن نفسه مع تصاعد الخلاف بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب والبابا ليو الرابع عشر، حيث لم يعد أبرز منتقدى «ترامب» داخل الولايات المتحدة، بل فى قلب «الفاتيكان»، فى سابقة تعيد رسم ملامح العلاقة بين واشنطن والكنيسة الكاثوليكية.
اعتاد «ترامب» على موجات الانتقاد من خصومه السياسيين، سواء من الديمقراطيين أو الجمهوريين المعارضين، إلى جانب السخرية الإعلامية والاحتجاجات الشعبية، لكن خلال ولايته الثانية، يواجه نوعا مختلفا من المعارضة يأتى من أعلى سلطة دينية كاثوليكية فى العالم، فى وقت تدخل فيه الحرب على إيران مرحلة هدنة هشة.
بدأ هذا التوتر بعد تصريحات مباشرة من البابا ليو الرابع عشر، الذى يعد أول بابا أميركى فى التاريخ، حيث وصف نهج «ترامب» فى الحرب بأنه غير مقبول تماما، فى انتقاد علنى وصريح لم تشهده العلاقات بين الجانبين بهذا الشكل من قبل.
تقول ناتاليا إمبيراتورى لي، أستاذة اللاهوت فى جامعة فوردهام، إن الرجلين ينتميان إلى جيل طفرة المواليد، لكن تجاربهما الحياتية وقيمهما ومساراتهما مختلفة تماما، معتبرة أن هذا التباين يمثل نقطة تحول فى تاريخ المسيحية الأميركية بحسب اسوشيتدبرس
تعكس مواقف «البابا» من الحرب على إيران التقاليد الراسخة للكنيسة الكاثوليكية، بحسب خبراء، إذ لا ينطلق موقفه من رد فعل سياسى آني، بل من إرث طويل يمتد لقرون فى تطوير معايير أخلاقية دولية، من بينها اتفاقيات جنيف، كما يوضح البروفيسور ويليام باربييرى من الجامعة الكاثوليكية.
فى المقابل، تعتمد إدارة» ترامب «على دعم قوى من القيادات البروتستانتية الإنجيلية المحافظة، التى ترى فى الحرب بعدا دينيا، حيث دعا وزير الدفاع الأميركى بيت هيغسيث المواطنين إلى الصلاة من أجل النصر باسم يسوع المسيح.
وعندما سئل «ترامب» عما إذا كان يعتقد أن الله يؤيد الحرب، أجاب بالإيجاب، مبررا ذلك بأن الله خير ويريد أن يرى الناس فى رعايته.
بينما قال القس فرانكلين غراهام إن الله أقام «ترامب» لهذه المرحلة، داعيا إلى تحقيق النصر حتى يتحرر الإيرانيون مما وصفه بالتطرف.
لكن «البابا « رد بشكل حاد خلال عظته بمناسبة أحد الشعانين، مؤكدا أن الله لا يستجيب لصلوات من يشنون الحروب، بل يرفضها، مستشهدا بنص من سفر إشعياء يشير إلى أن الأيدى الملطخة بالدماء لا تقبل صلاتها.
ورغم أن الخلاف بين الباباوات والرؤساء ليس أمرا جديدا، فإن ما يحدث حاليا يعد استثنائيا، إذ نادرا ما يوجه بابا انتقادا مباشرا بهذا الوضوح لرئيس أمريكي، وقد بلغ الأمر أن ذكر «ليو» اسم «ترامب» صراحة، معبرا فى الوقت نفسه عن أمله فى أن يسعى الرئيس إلى مخرج من الأزمة الإيرانية.
تصاعدت حدة الانتقادات بعد تهديدات «ترامب» بشن هجمات واسعة على البنية التحتية الإيرانية، حيث كتب أن حضارة كاملة قد تموت خلال ليلة واحدة، وهو ما وصفه «البابا» بأنه تهديد لشعب بأكمله وغير مقبول إطلاقا.
يرى محللون أن «البابا» لا ينظر إلى نفسه كمنافس سياسى ل «ترامب»، لكن صراحته تعكس تحولا فى أسلوب الكنيسة، التى كانت تنتقد السياسات بشكل عام دون تسمية مباشرة، كما حدث فى مواقف سابقة للبابا فرنسيس الذى كان يحث على قضايا مثل الهجرة دون الدخول فى مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية.
تشير إمبيراتورى لى إلى أن وضوح لغة «البابا» الحالي، كونه متحدثا أصليا بالإنجليزية، يمنح تصريحاته تأثيرا أكبر داخل الولايات المتحدة، حيث تصل رسائله دون غموض أو تأويل.
فى المقابل، لم يرد «ترامب» على هذه الانتقادات رغم أنه كان قد رحب سابقا بانتخاب البابا ليو، واعتبره شرفا عظيما للولايات المتحدة، كما لم يصدر البيت الأبيض تعليقا رسميا على التصريحات الأخيرة.
ويوضح ستيفن ميليس، أستاذ اللاهوت فى شيكاغو، أن الرجلين تشكلا فى ظل نفس الحقبة التاريخية التى شهدت اضطرابات كبرى مثل حركة الحقوق المدنية وحرب فيتنام، ما ساهم فى تشكيل وعيهما السياسي، لكنه يشير إلى أن «البابا» يمتلك فهما أعمق لتعقيدات المجتمع الأميركى مقارنة بسلفه.
ويضيف أن «البابا» يتابع تفاصيل الحياة الأمريكية اليومية، من قراءة الصحف إلى متابعة الرياضة والتواصل مع عائلته، وهو ما يجعله قريبا من المزاج العام، على عكس الصورة التقليدية للبابوية.
ومع ذلك، يؤكد خبراء أن الكنيسة الكاثوليكية لا يمكن تصنيفها بسهولة ضمن اليمين أو اليسار فى السياق الأميركي، إذ تتحرك وفق منظومة قيم مستقلة تتجاوز الانقسامات الحزبية.

















0 تعليق