الهدنة التى أنقذت «ترامب»

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كما سبق أن كتبنا أن الرئيس الأمريكى منذ عشرة أيام تقريباً يحاول البحث عن مخرج من هذه الحرب, يحفظ له صورة «البطل الأسطورى» التى يروج لها على صعيدى السلام والقوة, فيقول إنه بطل سلام أنهى ثمانى حروب, وبطل حرب والقائد الأعلى لأقوى جيش فى العالم يدمر كل من يقف فى وجهه, لكن يبدو أن إيران كان لها رأى آخر عندما صمدت لستة أسابيع أمام الهجمات الأمريكية الإسرائيلية رغم تدمير البنى التحتية الإيرانية واستهداف 80% تقريباً من القيادات السياسية والعسكرية والدينية, وعلى رأسهم المرشد على خامنئى، فواصلت طهران الرد بالمثل وعظمت من فاتورة الحرب على ترامب وعقدت المعادلة فى مواجهة الغضب الأمريكى الداخلى قبل الانتخابات النصفية للكونجرس فى نوفمبر القادم, صحيح أن إيران تقريباً طالها تدمير من الداخل بنسبة كبيرة, لكنها تقاوم حتى النفس الأخير, كان ترامب الذى يهدد ويتوعد وفى قرارة نفسه يشعر بأنه تورط ويبحث عن مخرج, خاصة بعد غلق إيران مضيق هرمز, ما أثر على الأسواق العالمية وسلاسل التوريد وأسعار النفط, عندئذ قرر ترامب تفعيل خطة «انسحاب بنكهة الفوز» والمسبوقة بترويج لانتصار عالمى على إيران فيقول مثلاً: لم تعد هناك أهداف إيرانية لتستهدفها, ثم يغازل التفاوض ويتحدث بجدية عنه, ثم يعود للتهديد والوعيد وهو كما قلنا يبحث عن مخرج, إلى أن أعلن قبول المسعى الباكستانى بهدنة الأسبوعين، ونقلت وكالات الأنباء من واشنطن معلومات عن مفاوضات يقودها نائب الرئيس جى دى فانس مع الجانب الباكستانى، وقال الرئيس ترامب إنه تلقى مشروعاً من عشر نقاط للتفاوض ويجد فيها أساساً قابلاً للتطبيق، وقرر وقف تنفيذ تهديداته ببدء حملة نارية لتدمير منشآت الطاقة والجسور فى إيران. 

قبول ترامب لهذه الهدنة يطرح تساؤلات عنه حقيقة الموقف الأمريكى لاسيما أن الهدنة- رغم أهميتها- لا تعنى حسم الصراع، وحديث ترامب عن تحقق الأهداف مادياً غير ملموس, ويحول السردية الأمريكية عن الأهداف من سحق إيران ومحوها من الخريطة إلى توقف الحرب مع إيران باعتباره إنجاز اللحظة, أما الهدف الأهم أمريكياً لهذه الحرب فلم يتحقق, فلا تزال إيران- رغم الضربات المكثفة- تحتفظ بنحو 440 كيلوجراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهى نسبة تقترب كثيراً من مستوى الاستخدام العسكرى التى تتطلب 90%.. وهذا يعنى أن قدرات طهران على امتلاك سلاح نووى ما زالت كما كانت تقريبا قبل اندلاع هذه الحرب, ورغم إعلان وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى التزام بلاده بعدم السعى لامتلاك سلاح نووى ضمن خطة أولية من 10 نقاط، فإن ذلك فى رأيى لا يعد تقدماً حقيقياً فلطالما كان هذا هوالموقف الرسمى لإيران، وكان دائماً يقابل بتشكيك أمريكى.

صحيح أن الهدنة تمثل بداية مفاوضات جديدة، لإنهاء هذه الحرب التى أحدثت اضطراباً عالمياً فى الأسواق, لكنها عززت موقع طهران التفاوضى وليس موقع واشنطن عبر قدرة إيران على التأثير فى إمدادات النفط من خلال مضيق هرمز.. هذا النفوذ سيمنح طهران أوراق ضغط جديدة فى مفاوضات السبت القادم فى باكستان، لم تكن متاحة فى جولات التفاوض السابقة.

مهلة الأسبوعين فعلياً طوق نجاة على الأرض للرئيس الأمريكى، صحيح أن ميزان القوة لصالحه وأن إيران تم تدمير الكثير من بنيتها وجيشها لكن اللحظة التى نقول فيها إن الولايات المتحدة وإسرائيل انتصرتا فى هذه الحرب, وفقاً للمعطيات الواقعية هى لحظة لم تأت بعد, فإيران تقول إنها انتصرت وترامب يقول إنه انتصر وإسرائيل تقول إنها انتصرت!! 

مع إعلان ترامب عن تمديد المهلة وقبوله بوقف إطلاق النار وقوله إن فترة الأسبوعين ستسمح بإنجاز الاتفاق بعدما تم حل نقاط الخلاف العالقة، دخلت الحرب مرحلة جديدة فى طريق إنهائها, سوف تظهر ملامحها تباعاً، وحديث ترامب عن سلام طويل الأمد، ونصر استراتيجى وعسكرى مجرد تبرير للتراجع فى صورة تقدم حقيقى نحو الحل التفاوضى.

انتهاء هذه الحرب بهذه الطريقة يجعل فرص العودة للحرب واردة فى المستقبل, ما لم يعلن عن اتفاق ملزم ينهى المواجهة مع إيران نهائياً, وهذا ما لا تريده إسرائيل طالما لم يكن مصحوباً بتغيير النظام فى إيران.

أخيراً: المشهد الإقليمى يدخل مرحلة شديدة الضبابية، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية، بالضغوط الداخلية على الدول المنخرطة فى الحرب وبميزان القوى العالمى الذى يتشكل فى الخفاء. 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق